الثَّانِي: فِتْنَةُ الرَّجُلِ بماله وهو أَن يَأْخُذهُ من غير مأخذه ويصرفه فِي غير مصرفه؛ أَو التَّفْرِيط بِمَا يَلْزَمُه من حُقُوق المَال فتكثر عَلَيْهِ المحاسبة.
الثَّالِثُ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ بولده بِأنْ يتغلب حبه لولده على عقله ودينه، وَفَرْطُ محبتهم لهم وشغله بهم عَن كثير من الْخَيْر فيأتي ببعض السَّيِّئَاتِ من صغائر الذُّنُوبِ تحت تأثيرِ غَرِيزَةِ الأُبُوَّةِ. أَو التَّوَغُّلِ فِي الِاكْتِسَاب من أَجلهم من غَيْرِ اكْتِراثٍ من أَنْ يكون من حَلَالٍ أَو حَرَامٍ.
ثم قال رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ، وَالأَمْرُ وَالنَّهْيُ"أيْ وجَمِيع هذه الفِتَنِ الفَرْدِيَّةِ الخاصة التي تصيب المسلم بسبب حبه لنفسه وولده وماله تُكَفِّرُهَا الطَّاعات والحسنات (3) كما قال تعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) وكما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا".
"قَالَ: لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ، وَلَكِنِ الفِتْنَةُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ البَحْرُ!"أيْ لَيْسَ هَذَا الذي سألتك عنه فإنِّي لَمْ أسألك عن الفِتْنَةِ الخاصة التي تُصِيبُ المَرْء بسبب أهله أو ماله أو ولده وإِنَّمَا سألتك عن الفِتْنَةِ العامة التي تصيب المجتمع الإِسلامي كله، والتي تَضْطَرِبُ اضْطِرَابَ البَحْرِ فَتُغْرِقُ الأُمَّةَ الإِسْلامِيَّةَ في بَحْرٍ من الدِّمَاءِ."قَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا"أَيْ إذا كُنْتَ تَسْأَلُنِي عن الفِتْنَةِ العَامَّة التي تُصِيبُ المسلمين جميعًا بالشُّرُورِ والبَلايَا وَتُوقِعَهُمْ في الحُرُوبِ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ فيما بَيْنَهُمْ، فَاطْمَئِنْ يا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: فَإِنَّ المُسْلِمِينَ اليَوْمَ في مَأْمِنٍ منها، وإنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَ هذه الفِتْنَةِ بابًا مغلقًا قويًا. أمَّا ما هو هذا الباب؟ فسيأتي الجواب عنه في آخر الحديث.
"قَالَ: أَيُكْسَرُ أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: يُكْسَرُ!"أي فسأل عُمَرُ حُذَيْفَةَ: هل يزول هذا الباب بِشِدَّةٍ وعنفٍ وسَفْكِ دِمَاءٍ، أمْ يَزُول من دون ذلك، فقال حُذَيْفَةُ: بل يزول بالعُنْفِ والشِّدَّةِ والدَّمِ."قَالَ: إِذًا لاَ يُغْلَقَ أَبَدًا"أيْ مَا دَامَ (4) قد فُتِحَ بالدِّمَاءِ، فسيبقى هذا البَابِ مَفْتُوحًَا للدِّمَاءِ، فلا تنتهي الحُرُوبُ بين المسلمين."قُلْنَا: أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ البَابَ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَمَا أَنَّ دُونَ الغَدِ اللَّيْلَةَ"أيْ قال بَعْضُهُمْ: هَلْ كَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَعْنَى البَابِ المذكور في هذا الحديث؟ فَقَالَ: نَعَمْ يعلمه كما يَعْلَمُ أنَّ هذه اللَّيْلَة قَبْلَ الغَدِ."إِنِّي حَدَّثْتُهُ بِحَدِيثٍ لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ"أي كيف لا يعلمه وقد حَدَّثْتُهُ حَدِيثًَا صَادِقًا صَحِيحًَا مُحَقَّقًَا؟"فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ، فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: البَابُ عُمَرُ"يعنى أنَّ الحائِلَ بين الإِسْلامِ وبين الفِتْنَةِ وجود عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: أنَّ الصَّلاةَ كَفَّارةٌ للصَّغَائِرِ كما ترجم له البُخَارِيّ وكذلك جميع الأعمال الصَّالِحَةِ كَفَّارةٌ.
ثانيًا: أنَّ الفِتْنَةَ نَوْعَانِ، خاصة وعامة.
ثالثًا: أنَّ وُجُود عُمَرَ كان بابًا مغلقًا في وَجْهِ الفِتَنِ.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رضي الله عنه:"تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ".