فهرس الكتاب

الصفحة 636 من 2668

معنى الحديث: أنَّ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عندما كان واليًا على الكوفة من قِبَلِ مُعَاوِيَةَ أَخَّرَ يومًا صلاةَ

العَصْرِ عن وقتها المختار لانشغاله بمصالح المسلمين،"فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَاريّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ"فَلامَهُ وعَاتَبَهُ على ذلك"فَقَالَ: مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ؟!"خاطبه بهذا الاستفهام الإنكاري لتَشْدِيدِ اللُّومِ عليه، أيْ: كيف تفعل هذا الأمر الذي لا يليق بِعَامَة النَّاس فضلًا عن أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! وكيف تؤخر الصَّلاة عن وقتها؟"أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ؟"هكذا الرِّوَايَة وهو اسْتِعْمَالٌ صَحِيحٌ إلاّ أنَّ المشهَور أنْ يقال: ألست قد علمت؛ بأسلوب الخطاب. والاستفهام هنا استفهام تقريري لإقامةِ الحُجَّةِ على المُخَاطَبِ يعلمه، أيْ: كيف تؤخر العصر عن وقتها المختار؟! وقد علمت"أَنَّ جِبْرِيلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ"صبيحة يَوْمِ الإِسْرَاءِ عند الزَّوَالِ"فَصَلَّى"أي فلما زَالَتِ الشَّمْسُ صلّى الظُّهْرَ"فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"معه مُؤْتَمًَّا به."ثُمَّ صَلَّى"أيْ ثُمَّ نَزَلَ مَرَّةً ثانيةً عندما صَارَ ظِلُّ الشَيْءِ مِثْلُهُ، فَصَلَّى العَصْرَ،"فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"معه."ثُمَّ صَلَّى"أيْ ثُمَّ نَزَلَ مَرَّةً ثَالِثَةً عند غُرُوبِ الشَّمْسِ فَصَلَّى المَغْرِبَ،"فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"معه."ثُمَّ صَلَّى"أيْ ثُمَّ نَزَلَ مَرَّةً رَابِعَةً عِنْدَمَا غَابَ الشَّفَقُ فَصَلَّى العشاء،"فَصَلَّى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"معه."ثُمَّ صَلَّى"أيْ ثُمَّ نَزَلَ مَرَّةً خَامِسَةً عند طُلُوعِ الفَجْرِ، فَصَلَّى صَلاةَ الصُّبْحِ،"فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"معه."ثُمَّ قَالَ: «بِهَذَا أُمِرْتَ» "بِفَتْحِ التَّاء، أيْ أمرك الله بأَدَاءِ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ في هذه الأَوْقَاتِ، أو بالضَّمِّ ومعناه أَمَرَنِي الله بِتَعْلِيمَكَ أَوْقَاتِ الصَّلاةِ. قَالَ العَيْنِيُّ:"وأقوى الرِّوايَتَيْنِ فتح التَّاء".

والوَاقِعُ أَنَّ حديث الباب قد جاء مُجْمَلًا، ولم يُحَدِّدْ هذه الأَوْقَاتِ، لكن جاء في رواية ابْنِ عبَّاسٍ البيان الشَّافي للأَوْقَاتِ بدايةً ونِهايةً، حيث قَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَانَتْ قَدْرَ الشِّرَاكِ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ، وَصَلَّى بِيَ يَعْنِي الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ صَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ، وَصَلَّى بِي الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ، وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ» ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: «يَا مُحَمَّدُ، هَذَا وَقْتُ الأَنْبِيَاء مِنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ"أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدُ (1) .

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أولًا: أنَّ للصَّلَوَاتِ أوْقَاتًَا مَحْدُودَةً أجْمَلَهَا الحديث وبَيَّنَها حديثُ ابْنِ عبَّاسٍ الذي ذكرناه آنِفًَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت