الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ.
معنى الحديث: يَقُولُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"خَطَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"أيْ فِي مرضه الذي تُوُفِّيَ فيه، حيث خَرَجَ عَاصِبًَا رأسه، فَصَعِدَ المِنْبَرَ"فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ"أي بين البقاء فِي هذه الدُّنْيَا والانتقال إلى الرَّفيقِ الأَعْلَى"فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: مَا يُبْكِي هَذَا الشَّيْخَ؟ إِنْ يَكُنِ اللَّهُ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ؟!"أي فقلت: أَيُّ شَيْءٍ في هذا يَبْعَثُ على البُكَاءِ، لأنَّنِي لم أعرف الشَّخْص المعنِيِّ بذلك"فَكَانَ رَسُوْلُ اللهِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ العَبْدَ"أي وإذا المقصود بِهَذَا العبد الذي اختار ما عند الله هو رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإذا بِالرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْعِي (2) إليْنَا نَفْسَهُ الشريفة ويخبرنا بِرَحِيلِهِ عنَّا"وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا"وأَفَهْمَنَا لكلامِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا.
"فقال: يَا أَبَا بَكْرٍ لاَ تَبْكِ، إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ"أي أكثرهم إحسانًا إليَّ هو أبو بكر"وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ"أي ولو كان هناك أحدٌ من البَشَرِ يَبْلُغَ مِنْ نَفْسِي مَنْزِلَةَ الخليل لكان أبا بكر."وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلاَمِ وَمَوَدَّتُهُ"ولكنْ لَهُ مِنِّي أُخُوَّةُ الإِسْلاَمِ أَمَّا خُلَّتِي فإنَّها للهِ وَحْدَهُ فهو عَزَّ وَجَلَّ الذي انفرد بكمال محبتي له دون سِوَاهُ."لاَ يَبْقَيَنَّ فِي المَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ، إِلَّا بَابُ أَبِي بَكْرٍ"فإنَّهُ يَبْقَى وَحْدَهُ دون سائر الأبواب الأخرى.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: الإِشادةُ بِفَضْلِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وإحْسَانِهِ لرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثانيًا: جَوَازُ اتِّخَاذِ الخَوْخَةِ في المسجد كما ترجم له البُخَارِيّ.
ثالثًا: أنَّهُ لا خَلِيلٌ لنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلّا اللهُ وَحْدَهُ، قال ابن القيم:"وَأَمَّا مَا يَظُنُّهُ بَعْضُ الْغَالِطِينَ - أَنَّ الْمَحَبَّةَ أَكْمَلُ مِنَ الْخُلَّةِ، وَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ، وَمُحَمَّدًا حَبِيبُ اللَّهِ - فَمِنْ جَهْلِهِ، فَإِنَّ الْمَحَبَّةَ عَامَّةٌ، وَالْخُلَّةَ خَاصَّةٌ، وَالْخُلَّةَ نِهَايَةُ الْمَحَبَّةِ، وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّهَ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَنَفَى أَنْ يَكُونَ لَهُ خَلِيلٌ غَيْرُ رَبِّهِ مَعَ إِخْبَارِهِ بِحُبِّهِ لِعَائِشَةَ وَلِأَبِيهَا وَلِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِمْ"اهـ (3) .
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِلَّا بَابُ أَبِي بَكْرٍ".
(1) وهو المحبوب الذي تتخلل محبته وسط القلب.
(2) قال فِي"المصباح":"نعيت نعيًا من باب نعى أخبرت بموته".
(3) "الجواب الكافي"لابن القيم: [فَصْلٌ الْمَحَبَّةُ وَالْخُلَّةُ] ج 1 ص 191.