فهرس الكتاب

الصفحة 596 من 2668

معنى الحديث: أَنَّ كَعْبًَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ"تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ"أيْ طَالَبَهُ بِدَيْنٍ له عليه"فِي المَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا"أيْ فَتَخَاصَمَا حتى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا"حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ"بكسر السِّين وفتحها وهو السِّتْرُ أو السِّتَارَةُ أيْ أنَّه لَمَّا سمع أَصْوَاتَهُمَا وهما يتخاصمان فِي المَسْجِدِ كشف ستر حجرته، ليستطلع خبرهما، ثُمَّ خرج إليهما، ومَرَّ بِهِمَا -كما في رواية الأعرج -"فَنَادَى: «يَا كَعْبُ» قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا» "أيْ تَنَازَلْ عن بَعْضِ دَيْنِكَ تَخْفِيفًَا عليه، وَرِفْقًَا بِحَالِهِ"وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ: أَيِ الشَّطْرَ"أيْ وأَشَارَ إليه إِشَارَةً تفسيرها ومعناها تَنَازَلْ عن نِصْفِ الدَّيْنِ، وَخُذْ منه النِّصْفَ. ولم يقصد بذلك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْمُرَهُ أَمَرَ إِلْزَامٍ، وإِنَّمَا هِيَ مُجَرَّدُ وَسَاطَة وشفاعة وإصلاح بين المُتَخَاصِمَيْنِ، له أَنْ يقبلها، أو يعتذر عنها"قَالَ: لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ"أيْ قَبِلْتُ وَسَاطَتِكَ."قَالَ: «قُمْ فَاقْضِهِ» "أَمْرٌ على جِهَةِ الْوُجُوبِ، لِأَنَّ رَبِّ الدَّيْنِ لَمَّا أطَاعَ بِوَضْعِ مَا أُمِرَ بِهِ تَعَيَّنَ على الْمَدِيْنِ أَنْ يَقُومَ بِمَا بَقِي عَلَيْهِ لِئَلَّا يجْتَمع على رَبِّ الدَّيْنِ وَضِيعَةٍ وَمَطْلٍ.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أولًا: جَوَازُ مُقَاضَاةِ الدُّيُونِ وسَائِرِ الحُقُوقِ المَالِيَّةِ فِي الْمَسْجِدِ، وقضاؤها فيه، قال مالك:"لَا بَأْسَ أَنْ يَقْضِي الرَّجُلُ فِي الْمَسْجِدِ دَيْنًا، وَأمَّا التِّجَارَةُ وَالصَّرْفُ فَلَا أُحِبُّهُ".

ثانيًا: أنَّ أَمْرَ القاضي بالتَّنَازُلِ عن بعض الحَقِّ إِنَّمَا هو مجرد شفاعة وصلح، ولا يجب تنفيذه، وإِنَّمَا له أنْ يقبله أو يعتذر عنه إنْ شَاءَ.

ثالثًا: أنَّهُ إذا قبل الدَّائِنُ التَّنَازُلِ عن بعض حَقِّهِ اسْتِجَابَةً منه لوَسَاطَةِ الحَاكِمِ وَجَبَ على المَدِينِ أنْ يقوم بقَضَاءِ الدَّيْنِ فَوْرًا، وللقاضي أنْ يُلْزِمَه بذلك، كما أفاده العيني.

رابعًا: جَوَازُ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ مَا لَمْ يَتَفَاحَشْ، وقد أفرده البُخَارِيّ بِبَابٍ مُسْتَقِلٍّ، ونُقِلَ عن مَالِكٍ منعه مُطْلَقًَا، كما نقل عنه جوازه في العلم والخير وما لا بد فيه، دون رفعه باللغط ونحوه، وأما حديث واثلة:"جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ وَحُدُودَكُمْ وَشِرَاءَكُمْ وَبَيْعَكُمْ"أخرجه الطَّبَرَانِيّ فإنَّهُ ضَعِيفٌ (1) .

وَجه مطابقته للتَّرْجَمَة: فِي التَّقَاضِي ظَاهِرٌ، وَأمَّا فِي الْمُلَازَمَةِ فبوجهين؛ أَحدهمَا: أَن كَعْبًا لما طالب ابْن أبي حَدْرَد بِدَيْنِهِ فِي مَسْجِد النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لَازَمَهُ إِلَى أَنْ خَرَجَ النَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلَام، وَفَصَلَ بَينهمَا. وَالْآخر: أَنَّه أخرج هَذَا الحَدِيث فِي عدَّة مَوَاضِع كَمَا سنذكرها، فَذكر فِي بَاب الصُّلْح وَفِي بَاب الْمُلَازمَة عَن عبد ابْن كَعْب عَن أَبِيه أَنَّه كَانَ لَهُ على عبد ابْن أبي حَدْرَد مَال فَلَزِمَهُ ... الحَدِيث، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِلَفْظ الْمُلَازمَة هُنَا، إِلَى الحَدِيث الْمَذْكُور، على أَنْ مَا ذكره فِي عِدَّةِ مَوَاضِع كلهَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ، وَله عَادَة فِي بعض الْمَوَاضِع يذكر التَّرَاجِم بِهَذِهِ الطَّرِيقَة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت