الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ والنَّسَائِيُّ.
معنى الحديث: يقول عقبة:"أُهْدِيَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُّوجُ حَرِيرٍ"أي قباءً من حرير مشقوقًا من الخلف أَهْدَاه إليه أكيدر أمير دومة الجندل"فَلَبِسَهُ، فَصَلَّى فِيهِ"قبل أَنْ يُنْهَى عن لبس الحرير، كما فِي حديث جابر"لَبِسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا قَبَاءً مِنْ دِيبَاجٍ أُهْدِيَ لَهُ، ثُمَّ أَوْشَكَ أَنْ نَزَعَهُ، فَأَرْسَلَ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقِيلَ لَهُ: قَدْ أَوْشَكَ مَا نَزَعْتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: نَهَانِي عَنْهُ جِبْرِيلُ"."ثُمَّ انْصَرَفَ"أي سَلَّمَ من صَلاتِه"فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا، كَالكَارِهِ لَهُ"أي فخلعه بِشِدَّةٍ، لأنَّه نزل عليه الْوَحْيّ بِتَحْرِيمِ الحَرِيرِ"وَقَالَ: «لاَ يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ» "أي لا ينبغي لبس الحرير لعباد الله الطائعين لأنَّه محرم، فلا يلبسه إلاّ العُصَاةُ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: تَحْرِيمُ لبْسِ الحَرِيرِ على الرِّجَالِ إلاّ في حالات مرضية استثنائية كحالة الجَرَبِ مثلًا، وهو مذهب الجمهور عملًا بهذا الحديث، وأجازه الظاهرية، والحديث حجة عليهم.
ثانيًا: تَحْرِيمُ الصَّلاةِ فِي الثَّوْبِ الحَرِيرِ، فمن فعل ذلك صَحَّتْ صَلاتُهُ مع الإِثمِ والعِصْيان، وهو مذهب الجمهور، وَقَالَ خَلِيلٌ:"وَعَصَى وَصَحَّتْ إنْ لَبِسَ حَرِيرًا". وَقَالَ فِي"التَّاج والإِكْلِيل":"حَكَى ابْنُ رُشْدٍ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّهُ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ قَالَ: وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَأَمَّا الْمُصَلِّي بِثَوْبِ حَرِيرٍ وَحْدَهُ مُضْطَرًّا لِلُبْسِهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُصَلِّي بِهِ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبٌ نَجِسٌ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا لِلُبْسِهِ وَصَلَّى بِهِ وَحْدَهُ مَعَ كَوْنِهِ وَاجِدًا غَيْرَهُ فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُعِيدُ أَبَدًا"اهـ (2) .
مطابقة الحديث للترجمة: فِي كَوْنِهِ بِمَنْزِلَةِ الجَواب عليها.
(1) عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وآخرين، قَالُوا: لَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ مِنَ الْعَامِ الَّذِي لَقِيَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّفَرَ السِّتَّةَ لَقِيَهُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا بَعْدَ ذَلِكَ بِعَامٍ، وَهِيَ الْعَقَبَةُ الْأُولَى مِنْ بَنِي النَّجَّارِ: أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَعَوْفٌ وَمُعَاذٌ وَهُمَا ابْنَا الْحَارِثِ وَهُمَا ابْنَا عَفْرَاءَ، وَمِنْ بَنِي زُرَيْقٍ ذَكْوَانُ بْنُ عَبْدِ قَيْسِ وَرَافِعُ بْنُ مَالِكٍ، وَمِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَيَزِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ عَوْفٍ عَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ، وَمِنْ بَنِي سَلَمَةَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَابِيءٍ، وَمِنْ بَنِي سَوَّادٍ قُطْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ فَهَؤُلَاءِ عَشَرَةٌ: مِنَ الْخَزْرَجِ. وَمِنَ الْأَوْسِ رَجُلَانِ: أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ مِنْ بَلِيٍّ حَلِيفٌ فِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلَ، وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ فَأَسْلَمُوا وَبَايَعُوا عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ.
(2) "التَّاجُ والإِكْلِيلُ في شرح مختصر خليل":" [فَصَلِّ فِي سِتْر الْعَوْرَة] ج 2 ص 185."