شيخ الإِسلام ابن تيميّة رحمه الله:"وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، وَالْمَذْهَبُ الَّذِي عَلَيْهِ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ كَرَاهَةُ دُخُولِ الْكَنِيسَةِ الْمُصَوَّرَةِ، فَالصَّلَاةُ فِيهَا وَفِي كُلِّ مَكَان فِيهِ تَصَاوِيرُ أَشَدُّ كَرَاهَةً؛ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَا شَكَّ"اهـ (1) . وأمَّا حكم الصَّلاةِ فيها، فإنَّها تَصِحُّ مع الكَرَاهَةِ، لكَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يُعِدْ صَلاتَه. قَالَ ابْن بَطَّال في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أميطي عنا قرامك هذا":"عُلِمَ من الحَدِيث النَّهْي عَن اللبَاس الَّذِي فِيهِ التَّصَاوير بِالطَّرِيقِ الأَوْلَى، وَهَذَا كُله على الْكَرَاهَةِ، فَإِنَّ مَنْ صَلَّى فِيهِ فَصَلَاتُه مُجْزِئَةً، لِأَنَّهُ لم يُعِدْ الصَّلَاةَ، وَلِأَنَّهُ ذكر أَنَّهَا عَرَضَتْ لَهُ، وَلم يقل: إِنَّهَا قَطَعَتْهَا، وَمَنْ صَلَّى بذلك أَو نَظَر إِلَيْهِ فَصَلَاتُه مُجْزِئَةً عِنْد الْعُلمَاء"اهـ (2) .
ثانيًا: النَّهْيُّ عن تَصْوِيرِ الصُّوَرِ الحَيَوانِيَّةِ، واتخاذها وتزيين البيوت بِهَا، قال الإِمام النَّوَوِيّ:"قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ تَصْوِيرُ صُورَةِ الْحَيَوَانِ حَرَامٌ شَدِيدُ التَّحْرِيمِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ لِأَنَّهُ مُتَوَعَّدٌ عَلَيْهِ بِهَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ الْمَذْكُورِ فِي الْأَحَادِيثِ وَسَوَاءٌ صَنَعَهُ بِمَا يُمْتَهَنُ أَوْ بِغَيْرِهِ فَصَنْعَتُهُ حَرَامٌ بِكُلِّ حَالٍ لِأَنَّ فِيهِ مُضَاهَاةً لِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَسَوَاءٌ مَا كَانَ في ثَوْبٍ أو بِسَاطٍ أو دِرْهَم أَوْ دِينَارٍ أَوْ فَلْسٍ أَوْ إِنَاءٍ أَوْ حَائِطٍ أَوْ غَيْرِهَا وَأَمَّا تَصْوِيرُ صُورَةِ الشَّجَرِ وَرِحَالِ الْإِبِلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ فَلَيْسَ بِحِرَامٍ، هَذَا حُكْمُ نَفْسِ التَّصْوِير. ِ وَأَمَّا اتِّخَاذُ الْمُصَوَّرِ فِيهِ صُورَةَ حَيَوَانٍ: فَإِنْ كَانَ مُعَلَّقًا عَلَى حَائِطٍ أَوْ ثَوْبًا ملبوسًا أو عِمَامَةً، ونحو ذلك مِمَّا لا يُعَدُّ مُمْتَهَنًا فَهُوَ حَرَامٌ. وَإِنْ كَانَ فِي بِسَاطٍ يُدَاسُ وَمِخَدَّةٍ وَوِسَادَةٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُمْتَهَنُ فَلَيْسَ بِحِرَامٍ"اهـ (3) . وقَالَ العَيْنِيُّ:"وَأمَّا الشَّافِعِيَّة فَإِنَّهُم كَرهُوا الصُّوَرَ مُطْلَقًَا، سَوَاء كَانَت على الثِّيَابِ أَو على الْفُرُشِ والبُّسُطِ وَنَحْوهَا، وَاحْتَجُّوا بِعُمُوم الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي النَّهْي عَن ذَلِك، وَلم يفرقُوا فِي ذَلِك؛ والله تعالى أعلم"اهـ (4) .
وأما حديث بُسْرِ بن سعيد، عن زيد بن خالد، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ، صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ المَلاَئِكَةَ لاَ تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ الصُّورَةُ» قَالَ بُسْرٌ: ثُمَّ اشْتَكَى زَيْدٌ، فَعُدْنَاهُ، فَإِذَا عَلَى بَابِهِ سِتْرٌ فِيهِ صُورَةٌ، فَقُلْتُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ، رَبِيبِ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَمْ يُخْبِرْنَا زَيْدٌ عَنِ الصُّوَرِ يَوْمَ الأَوَّلِ؟ فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَلَمْ تَسْمَعْهُ حِينَ قَالَ: «إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ» ؛ الذي أخرجه البُخَارِيّ وأبو داود واستدل به بعض أهل العلم على جواز الصُّور غير المُجَسَّمَة فقد فَسَّرَهُ الإِمام النَّوَوِيّ بالصُّور الطبيعية والنباتية. حيث قال:"يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِاسْتِثْنَاءِ الرَّقْمِ فِي الثَّوْبِ مَا كَانَتِ الصُّورَةُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ كَصُورَةِ الشَّجَرِ وَنَحْوِهَا"اهـ (5) .
وقال: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّهْيِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:"قَالَ رسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام، فَقَالَ لِي: أَتَيْتُكَ الْبَارِحَةَ فَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَكُونَ دَخَلْتُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ عَلَى الْبَابِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ قِرَامُ سِتْرٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ كَلْبٌ، فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِي فِي الْبَيْتِ يُقْطَعُ، فَيَصِيرُ كَهَيْئَةِ الشَّجَرَةِ، وَمُرْ بِالسِّتْرِ فَلْيُقْطَعْ، فَلْيُجْعَلْ مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ مَنْبُوذَتَيْنِ تُوطَآَنِ، وَمُرْ بِالْكَلْبِ فَلْيُخْرَجْ"، فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِذَا الْكَلْبُ لِحَسَنٍ - أَوْ حُسَيْنٍ - كَانَ تَحْتَ نَضَدٍ لَهُمْ، فَأُمِرَ بِهِ