بكسر الهمزة، وفتح الدَّال، وهي وِعَاءٌ صَغِيرٌ يوضع فيه الماء للوُضُوءِ ونحوه"فَأَخَذْتُهَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي"أي فَسَارَ رَسْولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سيرًا طويلًا حتى ابتعد عنِّي واختفى عن عيني،"فَقَضَى حَاجَتَهُ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَأْمِيَّةٌ"أي وكانت عليه جبة منسوجة في بلاد الشَّامِ، وهي من تلك الثِّيَابِ التي يَلْبَسُهَا النَّصارى، لأنّ بلاد الشَّامِ حِينَذَاكَ كانت تحت حكم الرُّوم، وأهلها من النَّصَارى"فَذَهَبَ لِيُخْرِجَ يَدَهُ مِنْ كُمِّهَا فَضَاقَتْ"أي فَحَاولَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أْنْ يُخْرِجَ يَدَهُ من كُمِّها فلم يَسْتَطِعْ ذلك لشِدَّةِ ضِيْقِه"فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ أَسْفَلِهَا، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ (3) ، ثُمَّ صَلَّى".
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: جَوَازُ الصَّلاةِ فِي ملابسِ الكفارِ سَوَاءٌ كانت جُبَّةً أوْ ثوبًا أو عَبَاءَةً أو سِرْوَالًا أو سِوَاهُ ما لم يتحقق من نجاستها، لأنّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلّى في الجبة الشامية التي كانت في ذلك العصر من لباس النَّصَارى، فَدَلَّ ذلك على جواز الصَّلاةِ في ملابسهم، والمسألة خلافية بين الفُقَهَاء، قَالَ ابْن بطال في شرحه:"واختلف العلماء فِي الصَّلاةِ فِى ثِيابِ الكُفَّارِ، فذهب مَالِكٌ وجمهور العلماء إلى أنَّه لا بَأْسَ بالصَّلاةِ فيما نَسَجُوهُ، وكَرِهَ مَالِكٌ الصَّلاةَ فِي ما لَبسُوهُ، وقال:"إنْ صَلَّى فيه فيعيد في الوَقْتِ"، وأجاز ذلك الكوفيون والثَّوري والشَّافعى، وقالوا: لا بأس بلباسها، وإنْ لم تُغْسَلْ حتى يَتَبَيَّن فيها النَّجَاسَة، إلا أنَّ أبا حنيفة، قال: أمَّا السَّرَاوِيلُ، والأُزُرِ فَأكْرَهُ أنْ يَلْبَسْها المُسلمُ إلا بعد الغَسِيلِ"اهـ (4) .
ثانيًا: مشروعية التَّسَتُّر عند قضاء الحَاجَةِ، والابتعاد عن النَّاسِ، وفي الحديث"عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ:"أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا ذَهَبَ الْمَذْهَبَ أَبْعَدَ""أخرجه التِّرْمِذِيّ، وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ" (5) ؛ ومعناه أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا ذَهَبَ لقَضَاءِ حاجَتِهِ سَارَ إلى مكانٍ بعيدٍ عن النَّاسِ، لئلا يَرَوْهُ ولا يسمعوا له صَوْتًا."
والمطابقة: في قوله رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَأْمِيَّةٌ".
(1) "عمدة القاري": (بابُ الصَّلاَةِ فِي الْجُبَّةِ الشَّامِيَّةِ) ج 4 ص 69.
(2) قَالَ العَيْنِيُّ في شرحه:"مُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحٍ، بِضَم الصَّاد: أَبُو الضُّحَى الْعَطَّار، وَتردد الْكرْمَانِي فِي هَذَا، فَقَالَ: مُسلم بن عمرَان البطين، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة، أَو مُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحٍ، وَكَذَا تردد فِي أبي مُعَاوِيَة. وَقَالَ مُحَمَّد بن خازم: وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ أَبُو مُعَاوِيَة شَيبَان النَّحْوِيّ، ثمَّ قَالَ: وأمثال هَذِه التَّرَدُّدَاتِ لَا تقدح فِي صِحَةِ الحَدِيثِ وَلَا فِي إِسْنَادِهِ، لِأَنَّ أَيًَّا كَانَ مِنْهُم فَهُوَ عَدْلٌ ضَابِطٌ بِشَرْط البُخَارِيّ، بِدَلِيل أَنه قد روى فِي (الْجَامِع) عَن كل مِنْهُم"اهـ.
(3) أي اكتفى بمسح خُفَّيْهِ عن غسل رِجْلَيْهِ.
(4) "شرح صحيح البخاري"لابن بطال:"باب الصَّلاةِ فِي الْجُبَّةِ الشَّامِيَّةِ"ج 2 ص 25.
(5) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدُ والتِّرْمِذِيّ والنَّسَائِيّ وابن ماجة والدَّارِمِيّ.