فهرس الكتاب

الصفحة 493 من 2668

معنى الحديث: أَنَّ البُخَارِيّ رَحِمَهُ اللهُ يروي هذا الحديث عَنْ عَمْرِو بْنَ العَاصِ مُعَلَّقًَا بِدُونِ سَنَدٍ (1) فَيَقُولُ:"وَيُذْكَرُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ العَاصِ أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ"أَيْ أَصَابَتْهُ الجَنَابَةُ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ بِسَبَبِ الاحْتِلامِ وكان ذل*ك فِي لَيْلَةٍ شَدِيْدَةِ البَرْدِ، فَخَافَ على نَفْسِهِ إِنْ هُوَ اغْتَسَلَ بِالمَاءِ البَارِدِ فِي هذا البَرْدِ القَارِسِ أَنْ يُصِيبَهُ المَرَضُ لا مَحَالَةَ، أوْ يَهْلِكَ بِبُرُودَةِ المَاءِ؛"فَتَيَمَّمَ"بَدَلَ أَنْ يَغْتَسِلَ خَوْفًَا على نَفْسِهِ من المَرَضِ أوْ المَوْتِ، وصَلَّى بِالصَّحَابَةِ صَلاةَ الصُّبْح"وَتَلاَ: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} "أيْ (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) بِارْتِكَابِ مَا يُؤَدِّي إلى هَلاكِهَا (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) ولذلك فَإِنَّهُ لَمْ يُكَلِّفُهُم مَا لا يُطِيقُونَ. واسْتَدَلَّ عَمْرٌو بِهَذِهِ الآيَةِ على أنَّهُ يَجُوزُ له فِي هذه الحَالَةِ التَّيَمُّمَ بَدَلًا عن الغُسْلِ وِقَايةً لِنَفْسِهِ من الهَلاكِ."فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"أيْ فَذَكَرَ عَمْرٌو ذلك لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْبَرَهُ بِمَا حَدَثَ له، ورُوي بِضَمِّ الذَّال، - أي فَذُكِرَ - ذلك الصَّحَابَةُ للنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند رُجُوعِهِم، وأَخْبَرُوهُ بِمَا وَقَعَ من عَمْرِو بْنَ العَاصِ"فَلَمْ يُعَنِّفْ"أَيْ فَلَمْ يَلُمْهُ بعد أَنْ سَأَلَهُ وعَرِفَ حَقِيقَةَ أَمْرِهِ وصِحَّةَ فِعْلِهِ، كما جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أنَّهُ قَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ، فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (( يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟ ) )فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} . فَضَحِكَ رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا"أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدُ والحاكم والبَيْهَقِيّ (2) .

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أَوَّلًا: أنَّهُ يَجُوزُ للجُنُبِ التَّيَمُّمَ مع وُجُودِ المَاء عند الخَوْفِ من حُدُوثِ المَرَضِ أو زِيَادَتِهِ (3) لأَنَّ عَمْرًَا تَيَمَّمَ بَدَلًا عن الغُسْلِ بِسَبَبِ شِدَّةِ البَرْدِ، خَوْفًَا على نَفْسِهِ من الهَلاكِ، وأَقَرَّهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على فِعْلِهِ هذا، وَلَمْ يُعَنِّفْهُ.

ثانيًا: جَوَازُ الاجْتِهَادِ فِي زَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُعَنِّفْ".

(1) وقد رواه موصولًا أبو داود فِي سننه، كما أخرجه الحاكم وابن حبان والبَيْهَقِيّ، وحسنه المنذري كما فِي"المنهل العذب"ج 3. وَصله أَبُو دَاوُد وَقَالَ: حدّثنا ابْن الْمثنى، قَالَ: حدّثنا وهب بن جرير، قَالَ: حدّثنا أبِي، قَالَ: سَمِعت يحيى بن أَيُّوب يحدث عَن يزِيد بن أبي حبيب عَن عمرَان بن أبِي أنس عَن عبد الرَّحْمَن بن جُبَير عَن عَمْرو بن الْعَاصِ.

(2) قال الأَلْبَانِيّ:"حديث صحيح"وَصَحَّحَهُ ابن حبان؛ كما ذكرناه سابقًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت