فامْنُنْ عَلَيَّ بِرَحْمَتِكَ، وَقِنِي عَذَابَكَ،"لاَ مَلْجَأَ وَلاَ مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ"أيْ فَإِنَّهُ لا مَفَرَّ مِنْكَ إلاّ إليك، ولا مَلاذَ من عُقُوبَتِكَ إلاّ بِالالْتِجَاءِ إلى عَفْوِكَ ومَغْفِرَتِكَ يَا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.
"اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ"وهو القُرْآنُ الكَرِيمُ"وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ"وهُوَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ أنَّ عَلَّمَهُ هذا الذِّكْرِ المُبَارَكِ:"فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ، فَأَنْتَ عَلَى الفِطْرَةِ"أيْ فَإِنْ مِتَّ فِي تلك اللَّيْلَةِ التي نِمْتَ فيها على وُضُوءٍ، واضْطَجَعْتَ على شِقِّكَ الأَيْمَنِ، وتَحَصَّنْتَ فيها بِهذا الذِّكْرِ فَإنَّكَ تَمُوتُ على دِينِ الإِسْلامِ وسُنَّةِ خَيْرِ الأَنَامِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ."وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ". قَالَ: فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا بَلَغْتُ: اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، قُلْتُ: وَرَسُولِكَ، قَالَ:"لاَ، وَنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ".
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
اسْتِحْبَابُ الوُضُوءِ عند النَّوْمِ، والاضْطِجَاعِ على الشِّقِّ الأَيْمَنِ وتِلاوَةِ هذا الذِّكْرِ المأْثُورِ، وَأَنَّ مَنْ قَرَأَهُ قَبْلَ نَوْمِهِ وبَاتَ على وُضُوءٍ ثُمَّ مَاتَ من لَيْلَتِهِ مَاتَ على الإِيِمَانِ والسُّنَّةِ، قال النَّووي:"فِي هَذَا الْحَدِيثِ ثَلَاثُ سُنَنٍ مُهِمَّةٍ مُسْتَحَبَّةٍ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ إِحْدَاهَا الوُضُوءُ عند إرادةِ النَّوْمِ فَإنْ كانَ مُتَوِضِّأً كَفَاهُ ذَلِكَ الْوُضُوءُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ النَّوْمُ عَلَى طَهَارَةٍ مَخَافَةَ أَنْ يَمُوتَ فِي لَيْلَتِهِ وَلِيَكُونَ أَصْدَقَ لِرُؤْيَاهُ وَأَبْعَدَ مِنْ تَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِهِ فِي مَنَامِهِ وَتَرْوِيعِهِ إِيَّاهُ"اهـ (1) .
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ، فَأَنْتَ عَلَى الفِطْرَةِ"لِدِلالَتِهِ على أَنَّ مَنْ مَاتَ على وُضُوءٍ مَاتَ على السُّنَّةِ.
(1) "شرح النووي على مسلم":"بَابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ النَّوْمِ"ج 17 ص 32.