الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ والتِّرْمِذِيّ والنَّسَائِيّ.
معنى الحديث: يَقُولُ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَانَتْ صَلاَةُ العَصْرِ"أيْ وَقَدْ دَخْلَ وَقْتُ صَلاةِ العَصْرِ،"فَالْتُمِسَ الوَضُوءُ فَلَمْ يَجِدُوهُ"بفتح الواو أيْ فَطَلَبَ الصَّحَابَةُ المَاءَ بعد دُخُولِ الوَقْتِ، لِيَتَوَضَّؤوا به، فَلَمْ يَجِدُوهُ، وكان ذلك بِالزَّوْرَاءِ عند المَسْجِدِ المَعْرُوفِ بِمَسْجِدِ السَّيِّدَةِ فَاطِمَةَ؛ كما رَجَّحَهُ الشيخ عطية سالم (1) ."فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَضُوءٍ"أيْ فَجِيءَ إلى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِنَاءٍ صَغِيرٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ يَصْلُحُ للوَضُوءِ،"فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ"؛"فَرَأَيْتُ المَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ، فَتَوَضَّأَ النَّاسُ حَتَّى تَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ"أيْ فَلَمَّا وَضَعَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَدَثَت المُعْجِزَةُ العَظِيمَةُ، فَشَاهَدتُّ المَاءَ يَتَدَفَّقُ بِقُوَّةٍ من بين أصَابِعِهِ الشَّرِيفَةِ، وتَكَاثَرَ المَاءُ حَتَّى كَفَاهُم جَمِيعًَا فَتَوَضَّئُوا منه من أَوَّلِهِم إلى آخِرِهِم، قُلْتُ - أي قَتَادَةَ راوي الحديث: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ:"زُهَاءَ ثَلَاثِ مِائَةٍ"؛ زُهَاءَ -بضم الزَّاي- أيْ ما يُقَارِبُ هذا العدد.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: أنَّهُ لا يَجِبُ طَلَبُ المَاءِ للوَضُوءِ، إلاّ بعد دُخُولِ الوَقْتِ لأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنْكِرْ على أصْحَابِهِ التَّأخِيرِ فِي طَلَبِ المَاءِ إلى مَا بَعْدِ دُخُولِ الوَقْتِ، وقَدْ فَرَّعَ الفُقَهَاءُ على ذلك عَدَم جَوَازِ التَّيَمُّمِ قَبْلَ دُخُولِ الوَقْتِ، وهو مَذْهَبُ مَالِكٍ والشَّافِعِيِّ، وأَجَازَهُ الحَنَفِيَّةُ.
ثانيًا: وُجُوبُ المُوَاسَاةِ عند الضَّرُورَةِ.
ثالثًا: إِثْبَاتُ"المعجزات لنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
والمطابقة: فِي كَوْنِهِم لَمْ يَطْلُبُوا المَاءِ إلاّ لَمَّا حَانَتْ صَلاَةُ العَصْرِ، وَإِقْرَارُ النَّبِيّ لَهُم على ذلك.
(1) تكملة"أضواء البيان"لفضيلة الشيخ عطية سالم.