مُحْتَرَمٍ. وإِنَّمَا نَبَّهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَهْيِهِ عن الرَّوْثِ على تَحْرِيمِ الاسْتِنْجَاءِ ِبكُلِّ نَجَسٍ أو ِبكُلِّ مَطْعُومٍ لآدَمِيٍّ كَمَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ العَظْمِ فِي الحديث السَّابِقِ حَيْثُ قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"وَلَا تَأْتِنِي بعَظْمٍ ولا رَوْثٍ"والمُرَادُ بِالعَظْمِ، العَظْمُ وكُلُّ مَا شَابَهَهُ من الأَشْيَاءِ اللَّزِجَةِ المَلْسَاءِ التي لا تُزِيلُ النَّجَاسَةَ، كالزُّجَاجِ الأَمْلَسِ، فَإنَّهَا لا يَجُوزُ الاسْتِنْجَاءُ بِهَا.
ثانيًا: مَشْرُوعِيَّةُ التَّثْليِثِ فِي الاسْتِجْمَارِ لِقَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ"وهو شَرْطٌ عند الشَّافِعِيَّةِ، فلا بُدَّ أَنْ يكون، بِثَلاثَةِ أحْجَارٍ أو بِحَجَرٍ لَهُ ثَلاثَةَ رُؤوسٍ، قال فِي"كفاية الأخيار":"وَالْوَاجِب ثَلَاثَ مَسْحَاتٍ فَإِنْ حَصَلَ الإِنْقَاءَ بِهَا وَإِلَّا وَجَبَتْ الزِّيَادَةُ إِلَى الإِنْقَاءِ؛ وَيُسْتَحَبُّ الإيْتَارُ"اهـ (1) ، وهو مذهب الظَّاهرية أيْضًَا. قال فِي"الْمُغْنِي":"وَمَعْنَى الْإِنْقَاءِ إزَالَةُ عَيْنِ النَّجَاسَةِ وَبَلَّتِهَا، بِحَيْثُ يَخْرُجُ الْحَجَرُ نَقِيًّا وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَثَرٌ إلَّا شَيْئًا يَسِيرًا. وَيُشْتَرَطُ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا: الْإِنْقَاءُ، وَإِكْمَالُ الثَّلَاثَةِ، أَيُّهُمَا وُجِدَ دُونَ صَاحِبِهِ لَمْ يَكْفِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٌ. وَقَالَ مَالِكٌ وَدَاوُد: الْوَاجِبُ الْإِنْقَاءُ دُونَ الْعَدَدِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» اهـ (2) . وقال الجمهور:"التَّثْلِيثُ سُنَّةٌ، والوَاجِبُ الإِنْقَاءُ". قال ابن رشد:"وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْعَدَدِ: فَإِنَّ قَوْمًا اشْتَرَطُوا الْإِنْقَاءَ فَقَطْ فِي الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ، وَقَوْمٌ اشْتَرَطُوا الْعَدَدَ فِي الِاسْتِجْمَارِ وَفِي الْغَسْلِ، وَالَّذِينَ اشْتَرَطُوهُ فِي الْغَسْلِ مِنْهُمْ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْمَحَلِّ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ الْعَدَدُ فِي الْغَسْلِ بِطَرِيقِ السَّمْعِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَدَّاهُ إِلَى سَائِرِ النَّجَاسَاتِ، أَمَّا مَنْ لَمْ يَشْتَرِطِ الْعَدَدَ لَا فِي غَسْلٍ وَلَا فِي مَسْحٍ فَمِنْهُمْ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَأَمَّا مَنِ اشْتَرَطَ فِي الِاسْتِجْمَارِ الْعَدَدَ: أَعْنِي ثَلَاثَةَ أَحْجَارٍ لَا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، فَمِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ، وَأَمَّا مَنِ اشْتَرَطَ الْعَدَدَ فِي الْغَسْلِ وَاقْتَصَرَ بِهِ عَلَى مَحَلِّهِ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ وَهُوَ غَسْلُ الْإِنَاءِ سَبْعًا مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ، فَالشَّافِعِيُّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ. وَأَمَّا مَنْ عَدَّاهُ وَاشْتَرَطَ السَّبْعَ فِي غَسْلِ النَّجَاسَاتِ فَفِي أَغْلَبِ ظَنِّي أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ مِنْهُمْ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَشْتَرِطُ الثَّلَاثَةَ فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَاتِ الْغَيْرِ مَحْسُوسَةِ الْعَيْنِ أَعْنِي الْحُكْمِيَّةَ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذَا تَعَارُضُ الْمَفْهُومِ مِنْ هَذِهِ الْعِبَادَةِ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذُكِرَ فِيهَا الْعَدَدُ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ كَانَ الْمَفْهُومُ عِنْدَهُ مِنَ الْأَمْرِ بِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ إِزَالَةَ عَيْنِهَا لَمْ يَشْتَرِطِ الْعَدَدَ أَصْلًا، وَجَعَلَ الْعَدَدَ الْوَارِدَ مِنْ ذَلِكَ فِي الِاسْتِجْمَارِ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ الثَّابِتِ الَّذِي فِيهِ الْأَمْرُ أَلَّا يَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَ الْمَفْهُومِ مِنَ الشَّرْعِ وَالْمَسْمُوعِ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَجَعَلَ الْعَدَدَ الْمُشْتَرَطَ فِي غَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ عِبَادَةً لَا لِنَجَاسَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ. وَأَمَّا مَنْ صَارَ إِلَى ظَوَاهِرِ هَذِهِ الْآثَارِ وَاسْتَثْنَاهَا مِنَ الْمَفْهُومِ فَاقْتَصَرَ بِالْعَدَدِ عَلَى هَذِهِ الْمَحَالِّ الَّتِي وَرَدَ الْعَدَدُ فِيهَا، وَأَمَّا مَنْ رَجَّحَ الظَّاهِرَ عَلَى الْمَفْهُومِ فَإِنَّهُ عَدَّى ذَلِكَ إِلَى سَائِرِ النَّجَاسَاتِ"اهـ (3) ."
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ".
(1) "كفاية الأخيار":"بَابُ الِاسْتِنْجَاء وآداب التَّخَلِّي"ج 1 ص 32.