فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ"أي فسئل أَبُو هُرَيْرَةَ عن الحَدَثِ المُوْجِبِ للوُضوء فأجَابَ بأنَّهُ الحَدَثَ الأَصْغَرَ، وهو الخارجُ مِنَ السَّبِيلَيْنِ، ومَثَّلَ له بالفُسَاءِ وَالضُّرَاطِ، ومنه أيْضًَا: البَوْل والغائط، والمَذْي والوَدْي."
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: أَنَّ الوُضُوءَ شَرْطٌ في صِحَّةِ الصَّلاةِ على كل مُحْدِثٍ حَدَثًا أصغر، وينوب عنه التَّيَمُّم لعذر.
ثانيًا: أنَّ الحَدَثَ الأصْغَر المُوْجِبِ للوُضُوءِ هو الخارج من السَّبِيلَيْنِ كالفُسَاءِ وَالضُّرَاطِ مثلًا، وقد اتفق أهل العلم على وجوب الوُضوء من البَوْل والغائط والريح والمذي والودي.
واختلفوا فيما يخرج من غير السَّبِيلَيْنِ: فذهب أحمد وأَبُو حَنِيْفَةَ:"إلى أنَّ كُلَّ نَجَاسَةٍ خرجت من الجسد يجب منها الوُضُوءُ، سَوَاءٌ كانت من المَخْرَجَيْنِ أو من غيرهما كالدَّمِ والقَيْءِ؛ إلاّ البلغم عند أبي حنيفة". قال في"الحاوي الكبير":"قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الَّذِي يُوجِبُ الْوُضُوءَ أَحَدُ خَمْسَةِ أَقْسَامٍ: فَأَوَّلُهَا مَا خَرَجَ مِنَ السَّبِيلَيْنِ وَهُمَا الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ، وَالْخَارِجُ مِنْهُمَا ضَرْبَانِ: مُعْتَادٌ وَنَادِرٌ: فَالْمُعْتَادُ الْغَائِطُ وَالْبَوْلُ وَالصَّوْتُ وَالرِّيحُ وَدَمُ الْحَيْضِ. وَفِيهَا الْوُضُوءُ. وِفَاقًا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ). وَالنَّادِرُ الْمَذْيُ وَالْوَدْيُ، وَالدُّودُ وَالْحَصَى وَسَلَسُ الْبَوْلِ، وَدَمُ الْمُسْتَحَاضَةِ وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْوُضُوءِ منه فمذهبه الشَّافِعِيِّ وأبي حنيفة وُجُوبُ الْوُضُوءِ مِنْهُ كَالْمُعْتَادِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا وُضُوءَ مِنْهُ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صوتٍ أَوْ ريحٍ"يَعْنِي الْمُعْتَادَ كَالصَّوْتِ وَالرِّيحِ فَدَلَّ عَلَى انْتِفَائِهِ مِنَ النَّادِرِ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُسْتَحَاضَةِ:"صَلِّي وَلَوْ قَطَرَ الدَمُ عَلَى الْحَصِيرِ قَطْرًا". فَلَمْ يَنْقُضْ وُضُوءَهَا بِدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ لِكَوْنِهِ نَادِرًا، قَالَ: وَلِأَنَّ الْخَارِجَ الْمُعْتَادَ إِذَا خَرَجَ مِنْ غَيْرِ مَخْرَجِ الْحَدَثِ الْمُعْتَادِ لَمْ يَجِبِ الْوُضُوءُ لِكَوْنِهِ نَادِرًا وَجَبَ إِذَا خَرَجَ غَيْرُ الْمُعْتَادِ مِنْ مَخْرَجٍ مُعْتَادٍ أَلَّا يُوجِبَ الْوُضُوءَ لِكَوْنِهِ نَادِرًا"اهـ (1) . وقال المالكية كما في"الخلاصة الفقهية":"فَلَا يُنْقَضُ الْوُضُوءُ بالدَّاخِلِ لأَحَدِ المَخْرَجَيْنِ من عُودٍ أَو حُقْنَةٍ أَو إِصْبَعٍ؛ وَلَا يُنْقَضُ بِخُرُوجِ الدَّمِ والقَيْحِ والحَصَى والدُّوُدِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُعْتَادَةً وَلَا يُنْقَضُ بِمَا خَرَجَ من الْفَمِ أَو بِخُرُوج رِيْحٍ أَو غَائِطٍ من الْقُبُلِ أَو الْبَوْلِ من الدُّبُرِ لِأَنَّهَا لَمْ َتَخْرُجْ من مَخْرَجٍ مُعْتَادٍ"اهـ (2) .
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لاَ تُقْبَلُ صَلاَةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ".
(1) "الحاوي الكبير":"بَابُ الحَدَثِ"ج 1 ص 176.
(2) "الخلاصة الفقهية على مذهب السَّادة المالكية":"باب نواقض الوضوء"ج 1 ص 16.