عَن الْقَاسِم عَن عَائِشَة من رِوَايَة الْجَمِيع. قَالَ أَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم:"هُوَ مكيٌّ ثِقَةٌ". مَاتَ سنة سبع عشرَة وَمِائَة.
الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ والنَّسَائِيُّ.
معنى الحديث: أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَانَتْ لاَ تَسْمَعُ شَيْئًا لاَ تَعْرِفُهُ، إِلَّا رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، فَلَمَّا سَمِعَت النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:"مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ"أي أنَّ كُلَّ مَنْ حَاسَبَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فلا بُدَّ أنْ يَنَالَهُ شَيْءٌ من العَذَابِ، لأَنَّ الحِسَابَ إِنَّمَا هو مُنَاقَشَةٌ للعَبْدِ فِي أخْطَائِهِ، وتَوْقِيفُهُ على جَمِيعِ ذُنُوبِهِ، واسْتَقْصَاءٌ لِكُلِّ سَيِّئاتِهِ، وللعَذَابِ معنيان: أَحَدُهُمَا: نفس المناقشة؛ والثَّانِي ما يُفْضِي إليه من دُخُولِ النَّار."قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: أَوَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} "أي فكيف تقول:"مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ"وقد قال تَعَالَى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ(7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًَا يَسِيرًا)"فقال: إِنَّمَا ذَلِكَ العَرْضُ"بسكون الرَّاءِ أي إِنَّمَا ذلك الحِسَابُ اليَسِيرُ شَيْءٌ آخَرَ وهو العَرْضُ، ومعناه تَذْكِيرُ المُؤْمِنِ على انْفِرَادٍ بِأَخْطَائِهِ مع تَطْمِينِهِ بالعفو عنه، كما في الصَّحِيحِ"يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ - أي ستره -، فَيَقُولُ: أَعَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، وَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَرِّرُهُ، - ثُمَّ يُطَمْئِنَهُ بعد هذا العِتَاب الرَّقِيقِ - ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّي سَتَرْتُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ"."وَلَكِنْ: مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ يَهْلِكْ"أي يُعَذَّبُ لا مَحَالَةَ ويَتَعَرَّضُ للهلاك ودُخُولِ النَّارِ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: أنَّ من حَقِّ طَالِبِ العِلْمِ أَنْ يسأل فيما أَشْكَلَ عليه، وأَنْ يُرَاجِعَ كما فَعَلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وعلى العَالِمِ أنْ يُقَابِلَ مراجعته بِرَحَابَةِ صَدْرٍ، وأنْ يُجِيبه كما فعل النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ثانيًا: أنَّ الحِسَابَ نَوْعَانِ، حِسَابُ مُنَاقَشَةٍ وهو عَسِيرٌ وشَدِيدٌ، ولا يَخْلُو من العَذَّابِ. وحِسَابُ عَرْضٍ ومُعَاتَبَةٍ، وهو حِسَابٌ يَسِيرٌ لا عَذَابَ فيه.
والمطابقة: فِي قَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًَا يَسِيرًا) .