وَذَهَبَ الْهَادَوِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى أَنَّ:"الرَّضَاعَ كَغَيْرِهِ لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَلَا تَكْفِي شَهَادَةُ الْمُرْضِعَةِ؛ لِأَنَّهَا تَقَرَّرَ فِعْلُهَا". وَقَالَ الشَّافِعِيُّ:"تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُرْضِعَةِ مَعَ ثَلَاثِ نِسْوَةٍ بِشَرْطِ أَنْ لَا تُعَرِّضَ بِطَلَبِ أُجْرَةٍ". قَالُوا: وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالتَّحَرُّزِ عَنْ مَظَانِّ الِاشْتِبَاهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا خِلَافُ الظَّاهِرِ سِيَّمَا، وَقَدْ تَكَرَّرَ سُؤَالُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَأَجَابَهُ بِقَوْلِهِ كَيْفَ، وَقَدْ قِيلَ: وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ دَعْهَا. وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ لَا خَيْرَ لَك فِيهَا، وَلَوْ كَانَ مِنْ بَابِ الِاحْتِيَاطِ لَأَمَرَهُ بِالطَّلَاقِ مَعَ أَنَّهُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ لَمْ يَذْكُرْ الطَّلَاقَ فَيَكُونُ هَذَا الْحُكْمُ مَخْصُوصًا مِنْ عُمُومِ الشَّهَادَةِ الْمُعْتَبَرِ فِيهَا الْعَدَدُ، وَقَدْ اعْتَبَرْتُمْ ذَلِكَ فِي عَوْرَاتِ النِّسَاءِ فَقُلْتُمْ يُكْتَفَى بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ وَالْعِلَّةُ عِنْدَهُمْ فِيهِ أَنَّهُ قَلَّمَا يَطَّلِعُ الرِّجَالُ عَلَى ذَلِكَ فَالضَّرُورَةُ دَاعِيَةٌ إلَى اعْتِبَارِهِ فَكَذَا هُنَا"اهـ (1) ."
ثانيًا: مَشْرُوعِيَّةُ الرِّحْلَةِ فِي طلب العلم، كما فعل عُقْبَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقد"قَالَ الشَّعْبِيُّ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا سَافَرَ من أقْصَى الشَّامِ إِلَى أقْصَى الْيَمَنِ لِحِفْظِ كَلِمَةِ تَنْفَعُهُ فِيمَا بَقِيَ من عمره لَمْ أَرْ سَفَرَهُ يَضِيعُ"اهـ (2) . وَيُحْكَى عن ابن الأعرابِي اللغوي المشهور: أنَّهُ رأى فِي مَجْلِسِهِ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا من سَنْجَابَ على حُدُودِ الصِّينِ؛ والثَّانِي من الأنْدَلُسِ. وكان يحيى بن سعيد يسير الليالِيَ والأيَامَ فِي طلبِ الحَدِيثِ الوَاحِدِ.
مطابقته للترجمة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ".
(1) "سبل السلام": [شَهَادَةُ الْمُرْضِعَةِ] ج 2 ص 317.
(2) "عمدة القاري": (بَاب الرِّحْلةِ فِي المَسْألَةِ النَّازِلِةِ وتَعْلِيمِ أهْلِهِ) ج 2 ص 102.