فهرس الكتاب

الصفحة 2604 من 2668

ثَالِثًَا: أَنَّهُ يُسْتَحَبّ الحِنْثُ فِي اليَمِينِ والتَّكْفِيرِ عنها، إذا رأى أَنَّ الخَيْرَ والأَفْضَلَ والأَنْفَعَ شَرْعًَا فِي تَرْكِ المَحْلُوفِ على فِعْلِهِ، أو فِي فِعْلِ المَحْلُوفِ على تَرْكِهِ، كما فَعَلَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عندما غضب على مَسْطَحٍ، فَحَلَفَ أَنْ لا يتصدق عليه، فلما نزل قوله تعالى: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) فقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى وَاللَّهِ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لاَ أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا؛ وكَفَّرَ عن يَمِينِهِ.

رَابِعًَا: وُجُوبُ الكَفَّارَةِ على كُلِّ من حَنَثَ فِي يَمِينِهِ كما يَدُلُّ عليه قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ"وهو معنى قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ) إلخ، وتتلخص كفارة اليمين في أحد أربعة أمور:

الأوَّل: إطعام عشرة مساكين من غالب قوت البلد لكل مسكين مُدٌّ (2) . قال فِي"الفَوَاكِهِ الدَّوَانِي":"وَالْكَفَّارَةُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْأَحْرَارِ مُدًّا لِكُلِّ مِسْكِينٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَأَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ لَوْ زَادَ عَلَى الْمُدِّ مِثْلَ ثُلُثِ مُدٍّ أَوْ نِصْفِ مُدٍّ. وَذَلِكَ بِقَدْرِ مَا يَكُونُ مِنْ وَسَطِ عَيْشِهِمْ فِي غَلَاءٍ أَوْ رُخْصٍ، وَمَنْ أَخْرَجَ مُدًّا عَلَى كُلِّ حَالٍ أَجْزَأَهُ"اهـ (3) . وقال فِي"الْمُغْنِي":"قَالَ: (لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ مِنْ حِنْطَةٍ أَوْ دَقِيقٍ، أَوْ رِطْلَانِ خُبْزًا، أَوْ مُدَّانِ تَمْرًا أَوْ شَعِيرًا) ِ. وَنَصَّ الْخِرَقِيِّ عَلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ الدَّقِيقُ وَالْخُبْزُ. وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَيْهِ أَيْضًا. وَرُوِيَ عَنْهُ، لَا يُجْزِئُ الْخُبْزُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَقَالَ: لَا يُجْزِئُهُ دَقِيقٌ وَلَا سَوِيقٌ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ حَالَةِ الْكَمَالِ وَالِادِّخَارِ وَلَا يُجْزِئُ فِي الزَّكَاةِ، فَلَمْ يُجْزِئْ فِي الْكَفَّارَةِ، كَالْقِيمَةِ"اهـ (4) .

الثَّانِي: كسوة كل واحد منهم ثوبًا وسروالًا ونحوه. قال فِي"الْمُغْنِي":"وَيَجُوزُ أَنْ يَكْسُوَهُمْ مِنْ جَمِيعِ أَصْنَافِ الْكِسْوَةِ؛ مِنْ الْقُطْنِ، وَالْكَتَّانِ، وَالصُّوفِ، وَالشَّعْرِ، وَالْوَبَرِ، وَالْخَزِّ، وَالْحَرِيرِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَمَرَ بِكِسْوَتِهِمْ وَلَمْ يُعَيِّنْ جِنْسًا فَأَيَّ جِنْسٍ كَسَاهُمْ مِنْهُ، خَرَجَ بِهِ عَنْ الْعُهْدَةِ؛ لِوُجُودِ الْكِسْوَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكْسُوَهُمْ لَبِيسًا أَوْ جَدِيدًا، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا قَدْ بَلِيَ وَذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهُ، فَلَا يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُ مَعِيبٌ، كَالْحَبِّ الْمَعِيبِ، وَالرَّقَبَةِ إذَا بَطَلَتْ مَنْفَعَتُهَا. وَسَوَاءٌ كَانَ مَا أَعْطَاهُمْ مَصْبُوغًا أَوْ غَيْرَ مَصْبُوغٍ، أَوْ خَامًا أَوْ مَقْصُورًا؛ لِأَنَّهُ تَحْصُلُ الْكِسْوَةُ الْمَأْمُورُ بِهَا، وَالْحِكْمَةُ الْمَقْصُودَةُ مِنْهَا"اهـ (5) .

الثَّالث: عِتْقُ رَقَبَةٍ. قال فِي"المبسوط للشَّيباني":"وَالْعِتْقُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ يَجْزِي فِيهَا الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ وَالْكَافِرُ وَالْمُسْلِمُ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يُسَمِّ فِي ذَلِك رَقَبَةً مُؤمنَةً"اهـ (6) .

الرَّابع: إنْ لم يكن قادرًا على الكَفَّارات السَّابقة يصوم ثلاثةَ أيامٍ. قال فِي"الْمُغْنِي":" (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَاحِدًا، أَجْزَأَهُ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ) يَعْنِي إنْ لَمْ يَجِدْ إطْعَامًا، وَلَا كِسْوَةً،"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت