أما اليَمِينُ المنعقدة وحكمها: فَهِيَ أَنْ يَحْلِفَ على أَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ أنْ يفعله أو لا يفعله، وحكمها وجوب الكفارة عند الحِّنْث، كما قَالَ تَعَالَى: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) . قال فِي"الموسوعة الفقهية":"وَلاَ خِلاَفَ عَلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ الْمَعْقُودَةِ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَل، نَفْيًا كَانَ أَوْ إِثْبَاتًا. كَمَا لاَ خِلاَفَ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا فِي الْيَمِينِ اللَّغْوِ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي أَوِ الْحَال، نَفْيًا كَانَ أَوْ إِثْبَاتًا. وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي وُجُوبِهَا فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ، وَهِيَ الْمَعْقُودَةُ عَلَى أَمْرٍ فِي الْمَاضِي أَوِ الْحَال كَاذِبَةٌ يَتَعَمَّدُ صَاحِبُهَا ذَلِكَ"اهـ (3) .
أما اليَمِينُ الغَمُوسِ؛ وتُسَمَّى أيضًا يَمِينُ الزُّورِ، واليَمِينُ الفَاجِرَةُ: فهي اليَمِينُ الكَاذِبَةُ، ومعناها أنْ يَحْلِفَ على شَيْءٍ يَعْتَقِدُ فيه الكَذِبَ اعْتِقَادًَا جَازِمًَا ويَتَأكَّدُ أنَّهُ خِلافُ الوَاقِعِ، ولكِنَّهُ يَحْلِفُ قَاصِدًا الخِيَانَةِ، وإضَاعَةِ الحَقِّ وتأيِّيدِ البَاطِلِ. وأمَّا حُكْمُهَا: فَهِيَ كَبِيرَةٌ من أعْظَمِ الكَبَائِرِ ولا كَفَّارَةَ فيها عند أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ لِفَظَاعَتِهَا وشَنَاعَتِهَا، وعِظَمِ جُرْمِهَا، وإِنَّمَا تَجِبُ فِيهَا التَّوْبَةُ، ورَدُّ الحُقُوقِ إلى أَصْحَابِهَا. عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا الكَبَائِرُ؟ قَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ» . قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «ثُمَّ عُقُوقُ الوَالدِّين» . قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «اليَمِينُ الغَمُوسُ» . قُلْتُ: وَمَا اليَمِينُ الغَمُوسُ؟ قَالَ: «الَّذِي يَقْتَطِعُ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِم، هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ» أَخْرَجَهُ البُخَارِيّ. وذَهَبَ الشَّافِعِيّ وآخَرُوْنَ إلى وُجُوبِ الكَفَّارَةِ فِي اليَمِينِ الغَمُوسِ، واختاره ابن حزم.
(1) "فتح الباري"لابن حجر: (قَوْلُهُ بَابٌ بِالتَّنْوِينِ لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ) ج 11 ص 531.
(2) "فقه السنة"ج 3. قال فِي"تفسير القرطبي":"عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُرْوَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: أَيْمَانُ اللَّغْوِ مَا كَانَتْ فِي الْمِرَاءِ وَالْهَزْلِ وَالْمُزَاحَةِ وَالْحَدِيثِ الَّذِي لَا يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ الْقَلْبُ. وَفَى الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى:"لَا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ"فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: لَا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ. وَقِيلَ: اللَّغْوُ مَا يُحْلَفُ بِهِ عَلَى الظَّنِّ، فَيَكُونُ بِخِلَافِهِ، قاله مالك، حَكَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ، وَقَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ"اهـ. وقال فِي"عمدة القاري":"اخْتلف الْعلمَاء فِي يَمِين اللَّغْو على سِتَّة أقوال: أَحدهَا: قَول مَالك كَمَا ذَكرُوهُ عَنهُ، وَقَالَ الشَّافِعِي:"هِيَ أَنْ يسْبق لِسَانه إِلَى الْيَمين من غير أَنْ يقْصد الْيَمين، كَقَوْل الْإِنْسَان: لَا وَالله وبلى وَالله". وَحكى ذَلِك مُحَمَّد عَن الإمام أبي حنيفَة. وَأما الْمَشْهُور عِنْد أَصْحَابنَا أَن: لَغْو الْيَمين هُوَ الْحلف على أَمر يَظُنّهُ كَمَا قَالَ، وَالْحَال أَنه خِلَافه كَقَوْلِه فِي الْمَاضِي: وَالله مَا دخلت الدَّار، وَهُوَ يظنّ أَنه لَمْ يدخلهَا، وَالْأَمر خلاف ذَلِك"اهـ.