فهرس الكتاب

الصفحة 2598 من 2668

تَأْثِيرَ له فِي سَلْبِ حُرِّيَّةِ الإنْسَانِ واخْتِيَارِهِ، فَإِنَّ للهِ مَشيئَتِهِ وللإِنْسَانِ مَشيئَتِهِ، ولا تَعَارُضَ بَيْنَ المَشِيئَتَيْنِ كما قَالَ تَعَالَى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) ؛ ولهذا (قال الْخَطَّابِيُّ:"وَقَدْ يَحْسَبُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ معنى القضاء وَالْقَدَرِ إِجْبَارُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْعَبْدَ وَقَهْرُهُ عَلَى مَا قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَتَوَهَّمُونَهُ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ عَنْ تَقَدُّمِ عِلْمِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِمَا يَكُونُ مِنَ اكْتِسَابِ الْعَبْدِ وَصُدُورِهَا عَنْ تَقْدِيرٍ مِنْهُ وَخَلَقَ لَهَا خَيْرَهَا وَشَرَّهَا") اهـ (9) .

ثانيًا: دَلَّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"كُلٌّ يَعْمَلُ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَوْ: لِمَا يُسِّرَ لَهُ"على أنَّهُ يَنْبَغِي للعَبْدِ الإِكْثَارَ من الطَّاعَاتِ والاجْتِهَادَ فِي الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَإنَّ ذلك دَلِيلُ السَّعَادَةِ، لأَنَّ عَمَلَ الإِنْسَانِ عَلامَةٌ على مَا يَؤولُ إلَيْهِ أَمْرُهُ غَالِبًَا كما أوْضَحْنَاهُ سَابِقًا. قال ابن القيم:"اتَّفَقَتْ هذه الأحَاديثُ على أَنَّ القَدَرَ لا يَمْنَعُ العَمَلَ، ولا يُوجِبُ الاتِّكَالَ عَلَيْهِ، بل يُوجِبُ الجِدَّ والاجْتِهَادَ، ولذلك لَمَّا جَمَعَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ قَوْلَهُ:"اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ"قال: مَا كُنْتُ أشَدَّ اجْتِهَادًَا مِنِّي الآنَ، فإِنَّ النَّبَيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَهُم بِالقَدَرِ السَّابِقِ وجَرَيَانِهِ على الخَلِيقَةِ بِالأسْبَابِ فإِنَّ العَبْدَ يَنَالُ مَا قُدِّرَ له بِالسَّبَبِ الذي أُقْدِرَ عَلَيْهِ ومُكِّنَ مِنْهُ وهُيئَ لَهُ. فإذَا أتَى بِالسَّبَبِ أوْصَلَهُ إلى القَّدَرِ الذي سَبَقَ له فِي أُمِّ الكِتَابِ وكُلَّمَا زَادَ اجْتِهَادًا فِي تَحْصِيلِ السَّبَبِ كان حُصُولُ المَقْدُورِ أدْنَى إليه؛ وهذا شَأْنُ أُمُورِ المَعَاشِ والمَعَادِ؛ فَمَنْ عَطَّلَ العَمَلَ اتِّكَالًا على القَّدَرِ السَّابق فهو بِمَنْزِلَةِ من عَطَّلَ الأَكْلَ والشُّرْبَ والحَرَكَةَ فِي المَعَاشِ وسَائِرِ أَسْبَابِهِ اتِّكَالًا على مَا قُدِّرَ له"اهـ (10) .

والمطابقة: فِي كَوْنِ الحَدِيثِ يَدُلُّ على إثْبَاتِ القَدَرِ، وعِلْمِ اللهِ بِأعْمَالِ العِبَادِ قَبْلَ وُقُوعِهَا، وهو مَا تَرْجَمَ له البُخَارِيُّ.

(1) أَخْرَجَهُ مالك والتِّرْمِذِيّ وأبو داود وَضَعَّفه الأَلْبَانِيّ. وقال صاحب"موارد الظمآن":"رجاله ثقات إلا أنَّه مُنْقَطِع. وقال ابن أبي حاتم في"المراسيل"ص (210) :"قال أبو زرعة: مُسْلِم بن يسار، عن عمر، مرسل". وقال أيضًا ص (211) :"سمعت أبي يقول: مُسْلِم بن يسار لم يسمع من عمر، بينهما نعيم بن ربيعة". ووثقه ابن حبان 5/ 390، وقال العجلي فِي"تاريخ الثقات"ص (429) :"بصري، تابعي، ثقة". وقال الذَّهَبِيّ فِي"كاشفه":"وثِّق"."

(2) "فتح الباري"لابن حجر: (قَوْلُهُ بَابُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا) ج 11 ص 498.

(3) المصدر السابق.

(4) قال الألباني فِي "سنن أبي داود - ن":"صحيحٌ".

(5) ورواه أيضًا أحمد وأبو داود وابْن مَاجَه، وإِسْنَادُهُ صَحِيِحٌ (ع) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت