فهرس الكتاب

الصفحة 2596 من 2668

حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أعْمَالِ أهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلُهُ بِهِ النَّارَ"وهو مُرْسَلٌ (1) . ويُؤَيِّدُهُ ما جَاءَ فِي حديث عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حيثُ قَالَ فِيهِ:"أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ"متفق عليه."قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَمَّا أَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ سَبْقِ الْكَائِنَاتِ؛ رَامَ مَنْ تَمَسَّكَ بِالْقَدَرِ أَنْ يَتَّخِذَهُ حُجَّةً فِي تَرْكِ الْعَمَلِ فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ هُنَا أَمْرَيْنِ لَا يَبْطُلُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ: بَاطِنٌ وَهُوَ الْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ فِي حُكْمِ الرُّبُوبِيَّةِ وَظَاهِرٌ وَهُوَ الْعَلَامَةُ اللَّازِمَةُ فِي حَقِّ الْعُبُودِيَّةِ وَإِنَّمَا هِيَ أَمَارَةٌ مُخَيَّلَةٌ فِي مُطَالَعَةِ عِلْمِ الْعَوَاقِبِ غَيْرُ مُفِيدَةٍ حَقِيقَةً فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ كُلًّا مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ وَأَنَّ عَمَلَهُ فِي الْعَاجِلِ دَلِيلٌ عَلَى مَصِيرِهِ فِي الْآجِلِ؛ وَلِذَلِكَ مَثَّلَ بِالْآيَاتِ وَنَظِيرُ ذَلِكَ الرِّزْقُ مَعَ الْأَمْرِ بِالْكَسْبِ وَالْأَجَلُ مَعَ الْإِذْنِ فِي الْمُعَالَجَةِ"اهـ (2) . وهذا هو معنى قوله:"كُلٌّ يَعْمَلُ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَوْ: لِمَا يُسِّرَ لَهُ"أيْ فَإنَّ العَمَلَ يَسُوقُهُ إلى مَا كُتِبَ له فِي الأَزَلِ من سَعَادَةِ أو شَقَاءٍ، فإذا عَمِلَ الأَعْمَالَ الصِّالِحَةَ فَلْيُسَرَّ بذلك، ويَرْجُو أنْ يكونَ من أَهْلِهَا، لأَنَّ العَمَلَ الصَّالِحَ عَلامَةٌ على أنَّ العَبْدَ قد كُتِبَتُ له السَّعَادَةُ كما يَدُلُّ عليه الحديث. قال الحافظ فِي"الفتح":"وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى إِمْكَانِ مَعْرِفَةِ الشَّقِيِّ مِنَ السَّعِيدِ فِي الدُّنْيَا كَمَنِ اشْتُهِرَ لَهُ لِسَانُ صِدْقٍ وَعَكْسُهُ لِأَنَّ الْعَمَلَ أَمَارَةٌ عَلَى الْجَزَاءِ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الْخَبَرِ؛ وَرُدَّ بِمَا تقدم فِي حَدِيث بن مَسْعُودٍ وَأَنَّ هَذَا الْعَمَلَ الظَّاهِرَ قَدْ يَنْقَلِبُ لِعَكْسِهِ عَلَى وَفْقِ مَا قُدِّرَ وَالْحَقُّ أَنَّ الْعَمَلَ عَلَامَةٌ وَأَمَارَةٌ فَيُحْكَمُ بِظَاهِرِ الْأَمْرِ وَأَمْرُ الْبَاطِنِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى"اهـ (3) ."

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أوَّلًا: إثْبَاتُ القَضَاءِ والقَدَرِ، وكَوْنُهُمَا حَقِيقَةٌ ثَابِتَةٌ، لا شَكَّ فِيهِما، ومَعْنَاهُمَا كما قال أهْلُ العِلْمِ: أنَّ اللهَ تَعَالَى عَلِمَ بِجَمِيعِ الكَائِنَاتِ وأَزْمَانِهَا وأحْوَالِهَا وأفْعَالِهَا من خَيْرٍ أو شَرٍّ، وكَتَبَ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ كُلَّ مَا يَصْدُرُ من الخَلْقِ من طَاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ وإيمَانٍ وكُفْرٍ، وأَطْلَعَ المَلائِكَةَ على أحْوَالِ الإِنْسَانِ قبل ظُهُورِهِ إلى هذه الحَيَاةِ عندما أُمِرَ المَلَكُ أَنْ يكتب عليه أقْدَارُهُ وهو لا يَزَالُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ. إذَنْ فَالقَدَرُ حَقِيقَةٌ ثَابِتَةٌ، وهو عَقِيدَةٌ من عَقَائِدِ الإيِمَانِ كما يَدُلُّ عليه حديث عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مرفوعًا"مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا"أيْ على غَيْرِ الإيمَانِ بِالقَضَاءِ والقَدَرِ"فَلَيْسَ مِنِّى"رواه أبو داود (4) ، وعن ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال:"أَتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقُلْتُ لَهُ: وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنَ الْقَدَرِ فَحَدِّثْنِي بِشَيْءٍ لَعَلَّهُ أَنْ يَذْهَبَ مِنْ قَلْبِي. فقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ عَذَّبَهُمْ غَيْرَ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَدَخَلْتَ النَّارَ. قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ، ثُمَّ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت