غَيْرَ مَنْقُوصَةٍ، والعِنْدِيَّةِ هنا للتَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ."فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ"فَقَدْ يُضَاعَفُ ثَوَابُهَا إلى سَبْعِ مِائَةِ وإلى أَضْعَافِ ذلك بِحَسَبِ زِيَادَةِ الإِخْلاصِ."وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً"أيْ لا يَنْقُصُ من ثَوَابِهَا شَيْءٌ؛"فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً"دُونَ زِيَادَةٍ أو مُضَاعَفَةٍ كَمَا فِي الحَسَنَات.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا:"أنَّ مَنْ هَمَّ بَالحَسَنَةِ، ولَمْ يَفْعَلْهَا لِعُذْرٍ أو لِغَيْرِ عُذْرٍ تُكْتَبُ له حسنةً كاملةً، والظَّاهِرُ أنَّهُ لا يُشْتَرَطْ أنْ يكون قد عَزَمَ عليها، بل يَكْفِي مُجَرَّد المَيْلِ إليها، أو حديث النَّفْسِ بِها، قال الحافظ فِي"الفتح":"وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ فِي التَّوْحِيدِ:"إِذَا أَرَادَ". وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ:"إِذَا هَمَّ"وَكَذَا عِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَوَقَعَ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظ: ِ"إِذَا تَحَدَّثَ"وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى حَدِيثِ النَّفْسِ لِتُوَافِقَ الرِّوَايَاتِ الْأُخْرَى. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ وَلَكِنْ لَيْسَ قَيْدًا فِي كِتَابَةِ الْحَسَنَةِ بَلْ بِمُجَرَّدِ الْإِرَادَةِ تُكْتَبُ الْحَسَنَةُ"اهـ (1) ."
ثانيًا: ظاهر الحديث أنَّ مَنْ هَمَّ بالسَّيِّئةِ ولَمْ يفعلها يُثَابُ على تَرْكِهَا مُطْلَقًَا، واختلفوا فِي معنى ذلك، فذهب بعضهم إلى أنَّ المراد به كُلُّ هَمٍّ ولو عَزَمَ على فعلها، ووطَّنَ نَفْسَهُ عليها ولَمْ يفعلها، فإنَّه يُعْفَى عنه لما فِي حديثِ أبِي هُرَيْرَةَ:"فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ مَا لَمْ يَعْمَلْهَا"أَخْرَجَهُ مُسْلِم، ويُثَابُ على تَرْكِهَا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حديث الباب:"وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً"وحكاه الماوردي عن كثير من الفُقَهَاء والمُحَدِّثِينَ ونُقِل ذلك عن الشَّافِعِيّ. قَالَ الْمَازرِيّ: (ذهب بن الْبَاقِلَّانِيِّ يَعْنِي وَمَنْ تَبِعَهُ إِلَى أَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ بِقَلْبِهِ وَوَطَّنَ عَلَيْهَا نَفْسَهُ أَنَّهُ يَأْثَمُ، وَحَمَلَ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي الْعَفْوِ عَمَّنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا عَلَى الْخَاطِرِ الَّذِي يَمُرُّ بِالْقَلْبِ وَلَا يَسْتَقِرُّ. قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَخَالَفَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَنَقَلَ ذَلِكَ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ عَنْهُ بِلَفْظِ:"فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ مَا لَمْ يَعْمَلْهَا"؛ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَمَلِ هُنَا عَمَلُ الْجَارِحَةِ بِالْمَعْصِيَةِ الْمَهْمُومُ بِهِ. وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ بِأَنَّ عَامَّةَ السَّلَفِ وَأَهْلَ الْعِلْمِ على مَا قَالَ بن الباقلاني لَاتْفَاقِهِم عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ بِأَعْمَالِ الْقُلُوبِ، لَكِنْهُمْ قَالُوا إِنَّ الْعَزْمَ عَلَى السَّيِّئَةِ يُكْتَبُ سَيِّئَةً مُجَرَّدَةً لَا السَّيِّئَةَ الَّتِي هَمَّ أَنْ يَعْمَلَهَا كَمَنْ يَأْمُرُ بِتَحْصِيلِ مَعْصِيَةٍ ثُمَّ لَا يَفْعَلُهَا بَعْدَ حُصُولِهَا فَإِنَّهُ