الحديث: أَخْرَجَهُ أَيْضًَا التِّرْمِذِيّ والنَّسَائِيّ وابن ماجة.
معنى الحديث: يَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"نِعْمَتَانِ"عَظِيمَتَانِ جَلِيلَتَانِ"مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ"أيْ لَا يَعْرِفُ قَدْرَ هَاتَيْنِ النِّعْمَتَيْنِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ حَيْثُ لَا يَكْسِبُونَ فِيهِمَا مِنَ الْأَعْمَالِ كِفَايَةَ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي مَعَادِهِمْ فَيَنْدَمُونَ عَلَى تَضْيِيعِ أَعْمَارِهِمْ عِنْدَ زَوَالِهَا وَلَا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، وهُمَا:"الصِّحَّةُ"أي صِحَّةُ البَدَنِ والنَّفسِ وقُوَّتُهُمَا،"وَالفَرَاغُ"أيْ خُلُو الإنْسَانِ من مَشَاغِلِ العَيْشِ وهُمُومِ الحَيَاةِ وتَوَفُّرِ الأَمْنَ والاطْمِئْنَانِ النَّفْسِي، فَهُمَا نِعْمَتَانِ عَظِيمَتَانِ، لا يُقَدِّرُهُما كَثِيرٌ من النَّاسِ حَقَّ قَدْرِهِمَا، ولا يَنْتَهِزُونَ فُرْصَةَ وُجُودِهِما ِفِي الأعْمَالِ النَّافِعَةِ، بل يَدَعُونَها تَمُرُ دُونَ فَائِدَةٍ، حتَّى إذا مَرَّتْ وفَاتَتْ الفُرْصَةُ، وتَبَدَّلَتِ الصِّحَةُ مَرَضًَا، والقُوَّةُ ضَعْفًَا، والفَرَاغُ شُغُلًا، تَنَبَّهُوا من غَفْلَتِهِم، وشَعَرُوا بالنَّدَمِ، وأدْرَكُوا أنَّهُم قَدْ خَسِرُوا نِعْمَةَ صِحَّتِهِم وفَرَاغِهِم، فَغُبِنُوا، وحَزِنُوا أَشَدَّ الحُزْنِ على ما فَرَّطُوا فيه فَكَانَ مَثَلُهُم فِي ذلك كَمَثَلِ التَّاجِرِ الذي يَبِيعُ سِلْعَتَهُ بِخَسَارَةٍ، حتَّى إذا شَعَرَ بأنَّهُ قَدْ فَقَدَ رَأَسَ مَالِهِ حَزِنَ ونَدِمَ على مَا وَقَعَ له بِسَبَبِ غَفْلَتِهِ وتَفْرِيطِهِ. قال ابن القيم رحمه الله:"إِضَاعَة الْوَقْت أَشد من الْمَوْت لِأَن إِضَاعَة الْوَقْت تقطعك عَن الله وَالدَّار الْآخِرَة وَالْمَوْت يقطعك عَن الدُّنْيَا وَأَهْلهَا الدُّنْيَا من أَولهَا إِلَى آخرهَا لَا تَسَاوِي غم سَاعَة فَكيف بغم الْعُمر مَحْبُوب الْيَوْم يعقب الْمَكْرُوه غَدا ومكروه الْيَوْم يعقب المحبوب غَدا أعظم الرِّبْح فِي الدُّنْيَا أَن تشغل نَفسك كل وَقت بِمَا هُوَ أولى بهَا وأنفع لَهَا فِي معادها كَيفَ يكون عَاقِلا من بَاعَ الْجنَّة بِمَا فِيهَا بِشَهْوَة سَاعَة"اهـ (3) .
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: التَّرْغِيبُ فِي انْتِهَازِ الفُرَصِ المُواتِيَةِ من صِحَّةٍ وفَرَاغٍ، ومَالٍ، ومَرْكَزٍ، وجَاهٍ، والاسْتِفَادَةِ مِنْها فِيمَا يُرْضِي اللهَ تَعَالَى (4) لأَنَّ الفُرْصَةَ قَلَّمَا تَعُودُ إلى صَاحِبِهَا مَرَّةً أُخْرَى، فَالعَاقِلُ من يَنْتَهِزَهَا، ويَغْتَنِمَهَا فِي طَاعَةِ اللهِ، وقَدْ جَاءَ فِي الحديث عن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَمْ يَتَحَسَّرْ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَّا عَلَى سَاعَةٍ مَرَّتْ بِهِمْ لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ - تَعَالَى - فِيهَا"رواه الطَّبَرَانِيّ (5) .
ثانيًا: فِي حَاشِيَةِ السُّيُوطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ:"قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَتَفَرَّغُ لِلطَّاعَةِ إِلَّا إِذَا كَانَ مُكَفِّيًا صَحِيحَ الْبَدَنِ، فَقَدْ يَكُونُ مُسْتَغْنِيًا وَلَا يَكُونُ صَحِيحًا، وَقَدْ يَكُونُ صَحِيحًا وَلَا يَكُونُ مُسْتَغْنِيًا، فَلَا يَكُونُ مُتَفَرِّغًا لِلْعِلْمِ وَالْعَمَلِ لِشُغْلِهِ بِالْكَسْبِ، فَمَنْ حَصَلَ لَهُ الْأَمْرَانِ وَكَسَلَ عَنِ الطَّاعَةِ، فَهُوَ الْمَغْبُونُ أَيِ: الْخَاسِرُ فِي التِّجَارَةِ. مَأْخُوذٌ مِنَ الْغَبْنِ فِي الْبَيْعِ"اهـ (6) .
والمطابقة: فِي كَوْنِ الحَدِيثِ يَدُلُّ على أَهَمِّيَةِ الصِّحَةِ والفَرَاغِ وهو مَا تَرْجَمَ له البُخَارِيّ.
(1) "مرقاة المفاتيح":"كِتَابُ الرِّقَاقِ"ج 8 ص 3225.