"قَالَ:"فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ"أيْ وهو أَكْثَرُ عِلْمًَا بِأَحْوَالِهِم، تَنْوِيهًَا بِشَأْنِهِم فِي الملأ الأعْلَى، لِيُبَاهِي بِهِم المَلائِكَةَ"مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالُوا: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ" أيْ فَتَقُولُ المَلائِكَةُ: إنَّ هَؤُلاءِ الذَّاكِرِينَ يَقُولُونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، فالتَّمْجِيدُ: هو قول لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، لِمَا فِيهِ من تَعْظِيمِ اللهِ تَعَالَى، بِتَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ."قَالَ:"فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ " قَالَ:"فَيَقُولُونَ: لاَ وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ؟"قَالَ:"فَيَقُولُ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟"قَالَ:"يَقُولُونَ:"لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا" لأَنَّ الاجْتِهَادَ فِي العبادة على قَدْرِ المَعْرِفَةِ."قَالَ:"يَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونِي؟ " أيْ فَمَاذَا يَطْلُبُونً مِنِّي"قَالَ: «يَسْأَلُونَكَ الجَنَّةَ» "أيْ يَذْكُرُونَكَ، ويَعْبُدُونَكَ طَمَعًَا فِي جَنَّتِكَ؛ وَقَوْلُهُم:"لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا"أيْ لَكَانُوا أَكْثَرَ سَعْيًَا إليها، لأنَّهُ لَيْسَ الخَبَرُ كَالمُعَايَنَةِ."قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟"أيْ فَأيُّ شَيْءٍ يَخَافُونَ مِنْهُ؟ وَيَسْألُونَ رَبَّهُم أَنْ يُجِيرَهُم مِنْهُ؟"قَالَ:"يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ"أيْ يَذْكُرُونَ ويَعْبُدُونَ رَبَّهُم خَوْفًَا مِنَ النَّارِ، ويَسْألُونَهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُجِيرَهُم منها. وقولهم:"لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا" أي لكانوا أكْثَرَ اجْتِهَادًَا فِي الأعْمَالِ الصَّالِحَةِ التي هِيَ سَبَبٌ فِي النَّجَاةِ من النَّارِ."قَالَ:"فَيَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ" ذُنُوبَهُم."قَالَ:"يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ المَلاَئِكَةِ: فِيهِمْ فُلاَنٌ لَيْسَ مِنْهُمْ، إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ"أيْ إنَّهُ يُوْجَدُ من بين هَؤُلاءِ الذَّاكِرِينَ"فُلاَنٌ"وهو لَيْسَ مِنْهُم، ولَكِنَّهُ جَاءَ لِحَاجَةٍ يَقْضِيَهَا فَجَلَسَ مَعَهُم، فَهَلْ يُغْفَرُ لَهُ؟"قَالَ: هُمُ الجُلَسَاءُ لاَ يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ"قَالَ الطِّيبِيُّ:"أَيْ: هُمْ جُلَسَاءُ لَا يَخِيبُ جَلِيسُهُمْ عَنْ كَرَامَتِهِمْ فَيَشْقَى"اهـ."
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
قال الحافظ:"فِي الْحَدِيثِ فَضْلُ مَجَالِسِ الذِّكْرِ وَالذَّاكِرِينَ وَفَضْلُ الِاجْتِمَاعِ عَلَى ذَلِكَ وَأَنَّ جَلِيسَهُمْ يَنْدَرِجُ مَعَهُمْ فِي جَمِيعِ مَا يَتَفَضَّلُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَيْهِمْ إِكْرَامًا لَهُمْ وَلَوْ لَمْ يُشَارِكْهُمْ فِي أَصْلِ الذِّكْرِ"اهـ (1) . وقال ابن القيم:"ومَجَالِسُ الذِّكْرِ مَجَالِسُ المَلائِكَةِ ورِيَاضِ الجَنَّةِ، وجَمِيعُ الأَعْمَالِ إِنَّمَا شُرِعَتْ لِإقَامَةِ ذِكْرِ اللهِ، وأفْضَلُ أهْلِ كُلِّ عَمَلٍ أكْثَرُهُم فِيه ذِكْرًَا للهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَأَفْضَلُ الصُّوَّامِ أكْثَرُهُم ذِكْرًَا للهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي صَوْمِهِم. وَأَفْضَلُ المُتَصَدِّقِينَ أكْثَرُهُم ذِكْرًَا للهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَأَفْضَلُ الحَاجِّ أكْثَرُهُم ذِكْرًَا للهِ عَزَّ وَجَلَّ"اهـ (2) .
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّ لِلَّهِ مَلاَئِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ".