فهرس الكتاب

الصفحة 2561 من 2668

معنى الحديث: يُحَدِّثُنَا ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:"أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الكَرْبِ (1) "أيْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَمَا يَشْعُرُ باشْتِدَادِ الغَمِّ عليه، واسْتِيلائِهِ على نَفْسِهِ الشَّريفَةِ يَلْجَأ إلى هذا الدُّعَاءِ المُبَارَكِ قائلًا:"لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ"أيْ لا مَعْبُودَ بِحَقٍّ سِوَى اللهُ"العَظِيمُ"أيْ العَظِيمُ القَدْرُ، الجَلِيلُ الشَّأْنِ فِي ذَاتِهِ وصِفَاتِهِ وأَفْعَالِهِ"الحَلِيمُ"أي الذي لا يعاجل العاصي بالعقوبة، بل يؤخرها، وقد يعفو عنه مع القدرة عليه،"لا إلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ"قَالَ ابْنُ علان"العَظِيمِ"بِالجَرِّ عند الجُمْهُورِ، وقال الدَّاودي: هو بِالرَّفْعِ صِفَةُ رَبٍّ، قال القاري:" (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) بِالْجَرِّ وَيُرْفَعُ أَيْ: فَلَا يُطْلَبُ إِلَّا مِنْهُ وَلَا يُسْأَلُ إِلَّا عَنْهُ لِأَنَّهُ لَا يَكْشِفُ الْكَرْبَ الْعَظِيمَ إِلَّا الرَّبُّ الْعَظِيمُ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) بِالْوَجْهَيْنِ، وَهَذَا إِطْنَابٌ مَرْغُوبٌ وَإِلْحَاحٌ مَطْلُوبٌ"اهـ (2) ."لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَواتِ وَرَبُّ الأَرْضِ"أيْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فِيهِمَا، ومَالِكُهُ، ومُصْلِحُهُ، والمُتَصَرِّفُ فيه كيف شَاءَ وكَمَا شَاءَ.

"وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمَ"بِالجَرِّ صِفَةٌ للعَرْشِ، فَقَدْ وَصَفَهُ بِالكَرَمِ، أيْ بالحُسْنِ من جِهَةِ الكَيْفِيَّةِ، وَوَصَفَهُ بِالعَظَمَةِ من جِهَةِ الكَمَّيِّةِ.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أوَّلًا: قال الشَّوْكَانِي:"وَفِي الحَدِيث مَشْرُوعِيَّة الدُّعَاء بِمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ لمن نَزَلَ بِهِ كَرْبٌ وَبعد فَرَاغِهِ يَدْعُو بِأَنْ يَكْشِفَ اللهُ عَنهُ كَرْبَهُ وَيُذْهِبَ مَا أَصَابَهُ وَيدْفَعَ مَا نَزَلَ بِهِ" (3) ، (قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا ذِكْرٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ رَفْعُ الْكَرْبِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: هَذَا ذِكْرٌ وَلَيْسَ فِيهِ دُعَاءٌ؛ فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا الذِّكْرَ يَسْتَفْتِحُ بِهِ الدُّعَاءَ ثُمَّ يَقُولُ مَا شَاءَ مِنَ الدُّعَاءِ.

وَالثَّانِي: هُوَ كَمَا وَرَدَ:"مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِيَ السَّائِلِينَ"اهـ (4) . وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ:"ثُمَّ يَدْعُو بَعْدَ ذَلِكَ"أَوْ يُقَالُ: إِنَّ الثَّنَاءَ يَتَضَمَّنُ الدُّعَاءَ تَعْرِيضًا بِأَلْطَفِ إِيمَاءٍ كَمَدْحِ السَّائِلِ وَالشَّاعِرِ وَمِنْهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ مَادِحًا لِبَعْضِ الْمُلُوكِ مِمَّنْ يُرِيدُ جَائِزَتَهُ:

إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ عَنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ) اهـ (5) .

ثانيًا: أنَّ هذا الذِّكْرِ دُعاءٌ عظيمٌ اشْتَهَرَ عند السَّلَفِ بِدُعَاءِ الكَرْبِ، قال الطَّبري:"وكان يوصي بعضهم بعضًا بِهذا الدُّعَاءِ ويُعْلِّمُونَهُ لأَوْلادِهِم وبَنَاتِهِم، كما روي أن عبد الله بن جعفر، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لَمَّا زَوَّجَ ابْنَتَهُ قَالَ لَهَا:"إذا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ فاسْتَقْبِلِيهِ بِأَنْ تَقُولِي:"لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ العَظيمُ الحَلِيمُ الخ"، وقَدْ جَرَّبَ النَّاسُ هذا الدُّعَاء، فمن ذلك كَمَا قَالَ بن بَطَّالٍ:"حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت