معنى الحديث: تَحَدَّثَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِحَدِيثَيْنِ:
أَوَّلُهُما: حَدِيثٌ تَحَدَّثَ به من عِنْدِهِ، وليس من كَلامِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وإِنَّمَا هو من كَلامِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ومَوْقُوفٌ عليه قَالَ فِيهِ:"إِنَّ المُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبِهِ كأنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَل يَخَافُ أنْ يَقَعَ عَلَيْهِ"أيْ إِنَّ المُؤْمِنَ الكَامِلَ يَسْتَعْظِم ذُنُوبَهُ، ويَسْتَكْبِرَهَا، ويَخَافُ مِنْهَا خَوْفًَا شَدِيدًَا، ولو كَانَتْ من الصَّغَائِرِ، فإذا وقع فِي شَيْءٍ منها تَمَلَّكَهُ الرُّعْبُ، كأنَّهُ تَحْتَ جَبَلٍ عَظِيمٍ يُوْشِكُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ."وَإنَّ الفَاجِرَ"أيْ الفَاسِقُ المُسْتَهْتِرُ"يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أنْفِهِ، فَقَالَ بِهِ هَكَذا"أَيْ يَسْتَهِينُ بِالمَعَاصِي مَهْمَا عَظُمَتْ، حَتَّى أنَّهُ يَرَى كَبَائِرَ الذُّنُوبِ سَهْلَةً يَسِيرَةً كأنَّها ذُبَابٌ مَرّ على أنْفِهِ فهو يَطْرُدَهُ ولا يَعبَأ به أو يَكْتَرِث له.
ثانيهما: حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ رواه عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّهُ قَالَ:"لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ"واللام للتَّوْكِيدِ، كأنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: أؤكِّدُ لَكُمْ أَنَّ اللهَ أشَدُّ فَرَحًَا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ إذا تَابَ إليه"مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ مَنْزِلًا وَبِهِ مَهْلَكَةٌ"أيْ نَزَلَ مَحَطَّةً فِي فَلاةٍ من الأَرْضِ، لا مَاءَ فِيهَا، ولا أَحَدَ يَسْكُنُهَا"وَمَعَهُ رَاحِلَتُهُ"أيْ دَابَّتِهِ التي يَرْكَبُ عَلَيْهَا،"عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ نَوْمَةً"يَسِيرَةً قَصِيرَةً"فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ"أيْ ذَهَبَتْ عنه دَابَّتَهُ، وتَرَكَتْهُ فِي تِلْكَ المَفَازَةِ المُهْلِكَةِ، والأَرْضِ القَاحِلَةِ دُونَ طَعَامٍ ولا مَاءٍ، بِمَعْنَى أنَّهُ وَجَدَ نَفْسَهُ عِنْدَمَا انْتَبَهَ من النَّوْمِ قَدْ فَقَدَ رَاحِلَتَهُ، وبَقِيَ فَرِيدًَا وَحِيدًًا، مُنْقَطِعًَا لا زَادَ معه ولا مَاءً"حَتَّى إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الحَرُّ وَالعَطَشُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ"من الخَوْفِ والقَلَقِ والهُمُومِ النَّفْسِيَّةِ واسْتَوْلَى عليه اليَأْسُ فاسْتَسْلَمَ للمَوْتِ جُوْعًَا وعَطَشًَا مَا كَانَ مِنْهُ إلا أَنْ"قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي، فَرَجَعَ فَنَامَ نَوْمَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ"وعَلَيْهَا طَعَامَهُ وشَرَابَهُ، فَلَمَّا فُوجِئ هذه المُفَاجَأةَ السَّارَةَ، وعَادَ إليه الأَمْنُ والاطْمِئْنَانُ، واسْتَبْشَرَ بِالسَّلامَةِ والنَّجَاةِ، قَالَ كما فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى:"مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ"، فاللهُ أشَدُّ فَرَحًَا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ ذلك الرَّجُلِ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: قُوَّةُ حَسَاسِيَةِ المُؤْمِنِ، وشِدَّةِ خَوْفِهِ من اللهِ، واسْتِعْظَامِه لِمَا يَتَعَرَّض له من صَغَائِرِ الذُّنُوبِ، حيث يَرَاهَا كالجِبَالِ الضَّخْمَةِ التي تُوْشِكُ أَنْ تَقَعَ عليه فَتُهْلِكَهُ. وقَسْوَةُ قَلْبِ الفَاجِرِ، وعَدَمِ إحْسَاسِهِ بِالذُّنُوبِ ولوْ كَانَتْ كَبَائِرَ، لأنَّهُ يَرَاهَا كَالذُّبَابِ يَمُرُّ على وَجْهِهِ، فلا يُلْقي لها بالًا.
ثانيًا: قُبُولُ التَّوْبَةِ الصَّادِقَةِ وفَرَحُ اللهِ تَعَالَى بِها، ورِضَاهُ عن صَاحِبِهَا، فالتَّوْبَةُ مَقْبُولَةٌ حَتَّى تُطْلَعَ الشَّمْسُ من مَغْرِبِهَا ولكن لها شُرُوطٌ ثَلاثَةٌ: الأوَّل: تَرْكُ المَعْصِيَةِ والابْتِعَادُ عنها بِالكُلِّيَةِ، لأَنَّ الِاسْتِغْفَارُ بِلَا إِقْلَاعٍ تَوْبَةُ الْكَذَّابِينَ .. كما قال الفضيل بن عياض. وسُمِعَ أعْرَابِيٌ وهو مُتَعَلِّقٌ