فهرس الكتاب

الصفحة 2534 من 2668

وَرَحْمَته عَنْ صُدُور مُقَدِّمَاته وَهُمْ خَوَاصّ عِبَادِهِ صَدَرَ عَنْهُ لَا مَحَالَة بِمُقْتَضَى الْجِبِلَّة مُقَدِّمَاته الْبَاطِنَة وَهِيَ تَمَنِّي النَّفْس وَاشْتِهَاؤُهَا"اهـ (1) . وعلى هذا القول يكون"

معنى الحديث:"إنَّ اللهَ كتب فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ على كَثِيرٍ من بَنِي آدَمَ نَصِيبَهُم من الزِّنَا أو مقدماته، كالنَّظَرة، واللمسة ونحوها. فالمُرَادُ بابْنِ آدَمَ الجِنْسِ لا كُلّ فَرْدٍ من بَنِي آدَمَ؛"أَدْرَكَ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ"أي فمن كتب عليه شَيْءٌ من ذلك فلا بد أَنْ يُصِيبَهُ، ولا بد أنْ يفعله، ولكن ليس مُجْبَرًَا عليه، بَلْ بِاخْتِيَارِهِ."فَزِنَا العَيْنِ النَّظَر، وَزِنَا اللِّسَانِ المَنْطِقُ"أيْ أنَّ الزِّنا لا يختص بالفَرْجِ، وإِنَّمَا هو نوعان: زنا الفَرْجِ، وزنا الجَوَارِحِ، فالجَوَارِحِ كُلُّهَا تَزْنِي زِنَىً يأْثَمُ عليه الإِنْسَانُ، ولكنَّه أقَلُّ إثْمًَا من زِنَا الفَرْجِ. فزنا العين النَّظَر إلى المرأة الأجنبية بِشَهْوَةٍ، وزنا اللسان التَّحَدُّث إليها بِشَهْوَةٍ، وقس على ذلك بقية الجوارح."

ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ زِنَا الجَوَارِحِ هذا هو من مُقَدِّمَاتِ الزِّنا، وقد سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زِنًَا لأنَّه من الأسباب الخطيرة المؤدية إليه، قَالَ بن بَطَّالٍ:"سُمِّيَ النَّظَرُ وَالنُّطْقُ زِنًا لِأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الزِّنَا الْحَقِيقِيِّ وَلِذَلِكَ قَالَ وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِك"اهـ (2) ."وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي"أي وقد ركب الله في النَّفس غريزة الجنس التي تشتهي أنْ تُشْبِعَ رغْبَتَهَا الجنسية؛"وَالفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ"أي ولا يُعَدّ زنا الجَوَارِحِ زِنًَا حَقِيقِيًَّا وكَبِيرَةً من الكَبَائِرِ إلاّ بِفِعْلِ الفَرْجِ؛ فإِنَّ الفَرْجَ وَحْدَهُ هو الذي يُصَدِّقُ الزِّنَا ويُحَقِّقُهُ بالوَطْءِ، أو يكذبه بعدمه. قَالَ الطِّيبِيُّ:"سَمَّى هَذِهِ الْأَشْيَاء بِاسْمِ الزِّنَا، لِأَنَّهَا مُقَدِّمَات لَهُ مُؤْذِنَة بِوُقُوعِهِ. وَنَسَبَ التَّصْدِيق وَالتَّكْذِيب إِلَى الْفَرْج لِأَنَّهُ مَنْشَؤُهُ وَمَكَانه أَيْ يُصَدِّقهُ بِالْإِتْيَانِ بِمَا هُوَ الْمُرَاد مِنْهُ وَيُكَذِّبهُ بِالْكَفِّ عَنْهُ"اهـ (3) .

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أوَّلًا: التَّحْذِيرُ الشَّدِيدُ من جِمِيعِ أسْبَابِ الزِّنا ومُقَدِّمَاتِهِ، كالنَّظَر إلى المرأة الأَجْنَبِيَّةِ، والحديث إليها، وسَمَاع حديثها، ولَمْسِها بِشَهْوَةٍ، فإنَّ ذلك مُحَرّمٌ، وإنْ كانَ من الصَّغَائِرِ، وقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زنا تنبيهًا على خطورته، لأنَّه يؤدي إلى الزِّنا، ويَسُوقُ إليه، وقَدْ قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"النَّظَرةُ سَهْمٌ مَسْمُومٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ، مَنْ تَرَكَهَا مِنْ مَخَافَتِي أَبْدَلْتُهُ إِيمَانًا يَجِدُ لَهُ حَلَاوَتَهُ فِي قَلْبِهِ" (4) وقال الشَّاعر:

كُلُّ المَهَالِكِ مَبْدَاهَا مِنَ النَّظَر ... وَمُعْظَمُ النَّارِ مِنْ مُسْتَصْغَرِ الشَّرَر

ثانيًا: أنَّ هذه المُقَدِّمَاتِ المَذْكُورَةِ فِي الحديث من: النَّظَرِ، والحَدِيثِ، واللَّمْسِ بِشَهْوَةٍ، كُلُّ ذلك من اللَّمَمِ - أيْ من صَغَائِرِ الذُّنُوبِ كما قال ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت