فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: «لاَ تَغْضَبْ» ؛ أيْ تَجَنَّبْ دَوَاعِيَ الغَضَبِ، والأسْبَابَ التي تؤدِّي إليه لِئَلا تَقَعَ فيه.
قال ابن القيم:"وَأَمَّا الْخَطَأُ مِنْ شِدَّةِ الْغَضَبِ فَكَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} قَالَ السَّلَفُ: هُوَ دُعَاءُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَأَهْلِهِ حَالَ الْغَضَبِ، لَوْ أَجَابَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَأَهْلَكَ الدَّاعِيَ وَمَنْ دَعَى عَلَيْهِ، فَقُضِيَ إلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ، وَلَكِنَّهُ لَا يَسْتَجِيبُهُ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ الدَّاعِيَ لَمْ يَقْصِدْهُ. وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ: الْإِغْلَاقُ الَّذِي مَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فِيهِ هُوَ الْغَضَبُ. وَهَذَا كَمَا قَالُوهُ؛ فَإِنَّ لِلْغَضَبِ سُكْرًا كَسُكْرِ الْخَمْرِ أَوْ أَشَدَّ"اهـ (2) .
ولهذا قَالَ العُلَمَاءُ: للغَضَبِ دَوَاءَانِ:
(أ) دَوُاءٌ وِقَائِيٌّ قَبْلَ وُقوعِهِ: وهو تَجَنُّبُ أسْبَابِهِ والابْتِعَادُ عن المَوَاقِفِ المُؤَدِّيَةِ إليه. كَمُجَالَسَةِ السُّفَهَاءِ، ومُخَالَطَةِ الأَشْرَارِ، وتَنَاوُلِ المَشْرُوبَاتِ المُهَيِّجَةِ للأَعْصَابِ، وأَنْ يُكْثِرَ من الاسْتِغْفَارِ، وقَوْلِ:"لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ"بِصِدْقٍ وإِخْلاصٍ، فإِنَّ فيها شِفَاءٌ من أَدْوَاءٍ كَثِيرَةٍ ...
(ب) ودَوَاءٌ عِلاجِيٌّ بَعْدَ وُقُوعِهِ: وهو مُقَاوَمَةُ النَّفْسِ عن الاسْتِسْلامِ والانْقِيادِ له، وكَفُّهَا عن الظِّلْمِ والعُدْوَانِ، ثُمَّ هناك وَسَائِلُ أُخْرَى للتَّخْفِيفِ من حِدَّةِ الغَضَبِ، أو القضاء عليه نهائيًا، كالاسْتِعَاذَةِ باللهِ من الشَّيْطَانِ، والغُسْلِ، والوُضُوءِ، وتَغْيِّيرِ الحَالَةِ التي يكون عليها الإِنْسَانُ، فَإِنْ غَضِبَ وهو قَائِمٌ جَلَسَ، أو اضْطَجَعَ. لحديث:"كَانَ إِذَا غَضِبَ وَهُوَ قَائِمٌ جَلَسَ، وَإِذَا غَضِبَ وَهُوَ جَالِسٌ اضْطَجَعَ فَيَذْهَبُ غَضَبُهُ" (3) . قال ابن القيم رحمه الله: «إنَّ الْغَضَبَ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ» (4) . وَكَذَلِكَ إذَا أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْغَضَبِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِذَلِكَ"اهـ (5) ."
ثالثًا: أَنَّ مُقَاوَمَةَ الغَضَبِ وامْتِلاكَ النَّفْسِ عند وقوعه من أَفْضَلِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ التي يُثَابُ عليها، ولَوْلا ذلك لَمَا أثْنَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليها كُلَّ هذا الثَّنَاءِ، وفِي الحَدِيثِ عن مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الجُهَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَفِّذَهُ دَعَاهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الخَلَائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ فِي أَيِّ الحُورِ شَاءَ» (6) ، وفِي رِوَايَةٍ:"وَمَنَ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ مَلأَ اللَّهُ قَلْبَهُ رَجَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ"أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ (7) .
والمطابقة: مِنْ حَيْثُ أَنَّ فِيهِ الإِغْرَاءُ (8) على التَّحْذِيرِ مِنَ الغَضَبِ.
(1) قال فِي"التمهيد لما فِي الموطأ":"وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ فَضْلُ الْحِلْمِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحِلْمَ"