اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُفَارِقًا لِمُلُوكِ كِنْدَةَ وَمُتَابِعًا للنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَةَ عَشْرٍ، وَكَانَ رَجُلًا لَهُ شَرَفٌ، فَأَنْزَلَهُ ابْنُ عُبَادَةَ عَلَيْهِ. ولَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَبَتَ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ عَلَى الإِسْلامِ يُغِيرُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ بِمَنْ أَطَاعَهُ وَلَمْ يَرْتَدَّ كَمَا ارْتَدَّ غَيْرُهُ. وَكَانَ شَاعِرًا. اسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُرَادٍ وَزُبَيْدٍ وَمَذْحِجٍ كُلِّهَا، وَكَتَبَ مُعَهُ كِتَابًا إِلَى الْأَبْنَاءِ بِالْيَمَنِ يَدْعُوهُمْ إِلَى خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَلَى الصَّدَقَاتِ، وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا فِيهِ فَرَائِضُ الصَّدَقَةِ، فَلَمْ يَزَلْ خَالِدٌ عَلَى الصَّدَقَةِ مَعَ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ.
وَكَانَ فَرْوَةُ يَسِيرُ فِيهِمْ بِوِلَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. رَوَى عَنْهُ يَحْيَى بْنُ هَانِئٍ، وَأَبُو سَبْرَةَ وَالشَّعْبِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالِ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَغَيْرُهُمْ.
الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ.
معنى الحديث: يُحَدِّثُنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما:"أنَّ عُمَرَ خَرَجَ إلى الشَّامِ"وذلك فِي ربيع الثَّانِي سنة ثَمَانِ عَشْرَةَ من الهجرة، وإِنَّمَا خرج إليها يتفقد رعيته"فَلَمَّا كَانَ بِسَرْغَ"بفتح السِّين وسكون الرَّاءِ مُنْصَرِفًَا وغير مُنْصَرِفٍ، وهي قريبة فِي طريق الشَّامِ مِمَّا يَلِي الحِجَازَ"بَلَغَهُ أنَّ الوَبَاءَ"أي الطَّاعُونَ"قَدْ وَقَعَ بالشَّامِ"أي قَدْ أصَابَ أهْلَ الشَّامِ وانْتَشَرَ فِيهِم؛ وبعد نِقَاشٍ طَوِيلٍ دَارَ بين عُمَرَ وبين من معه من الصَّحَابَة نَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ:"إِنِّي مُصْبِحٌ عَلَى ظَهْرٍ، فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ"، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ: أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللهِ؟ فَقَالَ عُمَرُ:"لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ!"وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُ خِلاَفَهُ،"نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ إِلَى قَدَرِ اللهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَتْ لَكَ إِبِلٌ فَهَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ، إِحْدَاهُمَا خَصْبَةٌ وَالأُخْرَى جَدْبَةٌ أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ، وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ"، قَالَ: فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ، فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ، فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ"بفتح الدَّال، أيْ فلا تَدْخُلُوا تِلْكَ الأَرْضِ التي انْتَشَرَ فيها ذلك الوَبَاء وِقَايَةً لكم من الإِصِابَةِ بِالعَدْوَى،"وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ"أيْ فلا تَنْتَقِلُوا منها إلى غَيْرِهَا، وذلك لتَطْوِيقِ الوَبَاءِ وحَصْرِهِ فِي البِلادِ التي وَقَعَ فيها، ومَنْعِ انْتِشَارِهِ وانْتِقَالِ مَيِكْرُوبِهِ إلى البِلادِ الأُخْرى."
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: خُطُورَة الطَّاعُونِ وكَوْنُه من الأَمْرَاضِ الخَبِيثَةِ المُعْدِيَةِ، وكان يُسَمَّى بِالمَوْتِ الأَسْوَدِ وتَحْصُل الإِصَابَةُ به بِوَاسِطَةِ البَرْغُوثِ حيثُ يَتَغَذَّى من فَأْرٍ مُصَابٍ فَيَمْتَصّ دَمَهُ المُلَوَّثِ