الطوسي:"رأيت النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المنام، فقلت: عمن أكتب؟ قال: يحيى بْن يحيى". وَقَال النَّسَائِيّ:"ثِقَةٌ ثَبْتٌ". وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ"الثِّقَاتِ"وَقَال:"أوصى بثياب بدنه لأَحْمَد بنِ حَنْبَل، فكان أحمد يحضر الجماعات فِي تلك الثياب. وكَانَ من سادات أهل زمانه علمًا ودينًا وفضلًا ونُسُكًا وإتقانًا". ومَاتَ يَوْم الْأَرْبَعَاء سلخ صفر سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ، وهو ابن أربع وثمانين سنة.
الحديث: أَخْرَجَهُ البُخَارِيّ.
معنى الحديث: تُحَدِّثُنَا عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا:"أَنَّها قَالَتْ: وَا رَأْسَاهْ"يعني أنّها أَحَسَّت بصُدَاعٍ أَصَابَهَا فِي رأسِهَا، فَشَكَتْ من ذلك الأَلَمِ الذي تُحِسُّهُ مِنْهُ قَائِلَةً:"وَا رَأْسَاهْ"، قال الحافظ:"هُوَ تَفَجُّعٌ عَلَى الرَّأْسِ لِشِدَّةِ مَا وَقَعَ بِهِ مِنَ أَلْمِ الصُّدَاعِ"،"فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"مُمَازِحًا ومُدَاعِبًا لها:"ذَاكِ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ فَأَسْتَغْفِرَ لَكِ وَأَدْعُوَ لَكِ"أي لو أصابكِ المَوْتُ في حياتي لَفُزْتِ باستغفاري ودعائي لك، وفي رواية عبد الله بن عبد الله بن عتبة قال:"مَا ضَرَّكِ لَوْ مِتِّ قَبْلِي فَغَسَّلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ وَصَلَّيْتُ عَلَيْكِ وَدَفَنْتُكِ" (1) "فَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَا ثُكْلِيَاهْ" (2) "وَاللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِي، وَلَوْ كَانَ ذَاكَ، لَظَلِلْتَ آخِرَ يَوْمِكَ مُعَرِّسًا بِبَعْضِ أَزْوَاجِكَ"أيْ لَوْ وَقَعَ مَوْتِي وأَظُنُّ أنّكَ تَتَمَنَّاهُ لا يَأتِي آخِرَ النَّهَارِ إلاّ وأنَتْ مُتَزَوِّجٌ بِامْرَأةٍ أُخْرَى.
"فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"بَلْ أَنَا وَا رَأْسَاهْ"أيْ لَسْتِ أَنْتِ التي تَشْتَكِينَ من رَأْسِكِ، بل أنا الذي أَشْتَكِي من هذا الصُّدَاعِ الشَّدِيدِ الذي أَصَابَنِي."لَقَدْ هَمَمْتُ - أَوْ أَرَدْتُ - أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ وَأَعْهَدَ:"أي أُوْصِي بِالخِلافَةِ من بَعْدِي لِصَاحِبِهَا الذي أَرَادَ اللهُ أَنْ يَتَوَلَّاهَا"أَنْ يَقُولَ القَائِلُونَ - أَوْ يَتَمَنَّى المُتَمَنُّونَ -"أيْ أُوْصِي بِالخِلافَةِ إلى أبِي بَكْرٍ كَرَاهَةَ أَنْ يَقُولَ القَائِلُونَ: الخِلافَةُ لِفُلانٍ أو لِفُلانٍ، أو يَتَمَنَّى المُتَمَنُّونَ الخِلافَةَ،"ثُمَّ قُلْتُ: يَأْبَى اللَّهُ وَيَدْفَعُ المُؤْمِنُونَ"أيْ ثُمَّ قُلْتُ: أَتْرُكُ أَمْرَ الخِلافَةِ للهِ، ولِرَأيّ المُسْلِمِينَ، لأنَّهُ يَأْبَى اللهُ إلاّ خِلافَةَ أبِي بَكْرٍ، ويَدْفَعُ المُؤْمِنُونَ خِلافَةَ غَيْرِهِ."
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: جَوَازُ الشَّكْوَى من المَرَضِ، وأنَّهُ لا يُنَافِي الرِّضَا بِقَضَاءِ اللهِ، ولا يُعَارِضُ الصَّبْرَ، وقَدْ شَكَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ بِقَوْلِهِ:"بَلْ أَنَا وَا رَأْسَاهْ"وهو سَيِّدُ الصَّابِرِينَ.
ثانيًا: فِي الحَدِيثِ إشَارَةٌ صَرِيحَةٌ إلى خِلافَةِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَقَدْ هَمَمْتُ - أَوْ أَرَدْتُ - أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ وَأَعْهَدَ".
ثالثًا: دَلَّ الحَدِيثُ على شِدَّةِ غَيْرَةِ المَرْأةِ على زَوْجِهَا، حيث كَرِهَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنْ تَكُونَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوْجَةً جَدِيْدَة ولَوْ بَعْدِ وَفَاتِهَا.