فهرس الكتاب

الصفحة 2435 من 2668

الظُّهْرَ، ثُمَّ قَعَدَ فِي حَوَائِجِ النَّاسِ فِي رَحَبَةِ الكُوفَةِ، حَتَّى حَضَرَتْ صَلاَةُ العَصْرِ، ثُمَّ أُتِيَ بِمَاءٍ، فَشَرِبَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَذَكَرَ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَامَ «فَشَرِبَ فَضْلَهُ وَهُوَ قَائِمٌ» ثُمَّ قَالَ: إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ قِيَامًا، «وَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُ» "رَوَاهُ البُخَارِيّ عَنْ أَدَمَ، عَنْ شُعْبَةَ مُخْتَصَرًا. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ الأَنْصَاريّ عَنْ جَدَّةٍ لَهُ قَالَتْ:"إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا قِرْبَةٌ فَشَرِبَ مِنْ فِيهَا وَهُوَ قَائِمٌ" (1) . وكَرِهَهُ قومٌ لحديث أنس عند مُسْلِم:"أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَجَرَ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا") اهـ (2) ."

قال النووي:"وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بِحَمْدِ اللهِ تَعَالَى إشْكَالٌ ولا فِيهَا ضَعْفٌ بَلْ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ! وَالصَّوَابُ فِيهَا أَنَّ النَّهْيَ فِيهَا مَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ وَأَمَّا شُرْبُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا فَبَيَانٌ للجَوَازِ فلا إشْكَالَ ولا تَعَارُضَ؛ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ يَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ. وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ نَسْخًا أَوْ غَيْرَهُ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا فَاحِشًا؛ وَكَيْفَ يُصَارُ إِلَى النَّسْخِ مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ لَوْ ثَبَتَ التَّارِيخُ وَأَنَّى لَهُ بِذَلِكَ؟!"اهـ (3) .

قال ابن القيم:"وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلْ مُبَيِّنٌ أَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ لِلتَّحْرِيمِ، بَلْ لِلْإِرْشَادِ وَتَرْكِ الْأَوْلَى"؛ يعني فهو إرشاد صحي وتوجيه، فمن يريد وقاية جسمه من الأضرار البدنية والاستفادة التامة من الماء المشروب فعليه أنْ يحافظ على الشُّرْبِ جالسًا؛ ويضيف فِي"زاد المعاد":"وَلِلشُّرْبِ قَائِمًا آفَاتٌ عَدِيدَةٌ مِنْهَا: أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الرِّيُّ التَّامُّ، وَلَا يَسْتَقِرُّ فِي الْمَعِدَةِ حَتَّى يَقْسِمَهُ الْكَبِدُ عَلَى الْأَعْضَاءِ وَيَنْزِلَ بِسُرْعَةٍ وَحِدَّةٍ إِلَى الْمَعِدَةِ فَيُخْشَى مِنْهُ أَنْ يُبَرِّدَ حَرَارَتَهَا، وَيُشَوِّشَهَا، وَيُسْرِعَ النُّفُوذَ إِلَى أَسْفَلِ الْبَدَنِ بِغَيْرِ تَدْرِيجٍ، وَكُلُّ هَذَا يَضُرُّ بِالشَّارِبِ، وَأَمَّا إِذَا فَعَلَهُ نَادِرًا أَوْ لِحَاجَةٍ لَمْ يَضُرَّهُ، وَلَا يُعْتَرَضُ بِالْعَوَائِدِ عَلَى هَذَا، فَإِنَّ الْعَوَائِدَ طَبَائِعُ ثَوَانٍ، وَلَهَا أَحْكَامٌ أُخْرَى، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْخَارِجِ عَنِ الْقِيَاسِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ"اهـ (4) .

والمطابقة: فِي كَوْنِهِ يَدُلُّ على جَوَازِ الشُّرْبِ قَائِمًا، وهو مَا أَرَادَهُ البُخَارِيّ من التَّرْجَمَةِ.

(1) قال فِي"مسند أحمد ط الرسالة":"إِسْنَادُهُ صَحِيِحٌ، رجاله ثقات رجال الصحيح غير صحابية الحديث، فقد روى لها التِّرْمِذِيّ وابْن مَاجَه. وأَخْرَجَهُ المزِّي في"تهذيب الكمال": (في ترجمة كَبْشة الأَنْصَاريّة من بني مالك بن النَّجار، ويقال: كُبَيْشة، وتعرف بالبريصاء) من طريق الإمام أحمد، بهذا الإسناد".

(2) "إرشاد الساري":"باب الشُّرْبِ قَائِمًا"ج 8 ص 329.

(3) "شرح النووي على مسلم": (بَابٌ فِي الشُّرْبِ قَائِمًا) ج 13 ص 195.

(4) "زاد المعاد": [فَصْلٌ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي جَوَازِ الشُّرْبِ قَائِمًا] ج 4 ص 210.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت