شَبَّهَ الجَلِيسِ الصَّالِحِ فِي دِينِهِ وخُلُقِهِ بِمَنْ يَحْمِلُ مَعَهُ مِسْكًَا، وَشَبَّهَ الجَلِيسِ السَّوْءِ بِمَنْ يَنْفُخُ كِيرًَا وهو آلَةٌ من الجِلْدِ يَنْفُخُ بِهَا الحَدَّادُ على النَّارِ، ثُمَّ بَيَّنَ وَجْهَ الشَّبَهِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَحَامِلُ المِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ"أَيْ فإذا جَلَسَتْ إلى حَامِلِ المِسْكِ لا بُدَّ أَنْ تَنْتَفِعَ مِنْهُ لأنَّهُ إِمَّا أَنْ يَهْدِيَكَ من الطِّيبِ الذي معه"وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ"أيْ تَشْتَرِي مِنْهُ مِسْكًَا"وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ"أَيْ تَشُمَّ مِنْهُ"رِيحًا طَيِّبَةً"رَائِحَةً طَيِّبَةً. وكذلك الجَلِيسِ الصَّالِحِ: إِمَّا أنْ يُفِيدَكَ بِعِلْمِهِ أو بِنُصْحِهِ وتَوْجِيهِهِ، أوْ حُسْنِ سُلُوكِهِ بالاقْتِدَاءِ به."وَنَافِخُ الكِيرِ:"إذا صَحِبْتَهُ لا بُدَّ أَنْ يُؤْذِيكَ فهو"إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ"من الشَّرَرِ المُتَطَايِرِ"وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً"من الدُّخَانِ الذي يَتَصَاعَدُ من نَارِهِ فَتَشُمّ مِنْهُ رَائِحَةً كَرِيهَةً تَخْنُقُ أنْفَاسَكَ، كذلك جَلِيسُ السَّوْءِ إِمَّا أَنْ يُغْرِيكَ بِالسَّيِّئَةِ أو تَقْتَدِيَ بِسُلُوكِهِ السَّيءِ فَتَنْحَرِفَ عن سَوَاءِ السَّبِيلِ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: التَّرْغِيبُ فِي مُجَالَسَةِ أهْلِ الفَضْلِ، لأنَّهُمْ يَسْعَدُ بِهِم جَلِيسُهُم. فإِنْ كانوا عُلَمَاء اسْتَفَادَ مِنْهُم عِلْمًَا، وإِنْ كانوا صُلَحَاءُ اسْتَفَادَ مِنْهُم صَلاحًَا. وإِنْ كانوا أبْطَالًا اسْتَفَادَ مِنْهُم شَجَاعةً. لأَنَّ الأَخْلاقَ والمَوَاهِبَ والعُلُومَ والمَعَارِفَ والمَهَارَاتِ والآدَابَ تَتَلاقَحُ ويَتَأثَّرُ بَعْضُها بِبَعْضٍ، وفِي الحَدِيثِ:"الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ" (1) .
ثانيًا: دَلَّ هذا الحَدِيثُ على التَّحْذِيرِ الشَّدِيدِ من جُلَسَاءِ السَّوْءِ، لأنَّهُم شَرٌّ على من يُجَالِسُهُم، ورُبَّمَا قَصَدُوا أَنْ يَنْفَعُوهُ فَيَضُرُّوهُ من حَيْثُ لا يَشْعُرُون.
ثالثًا: قَالَ العَيْنِيُّ:"وَفِي كتاب (الْأَشْرَاف) : روينَا عَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَنَد جيد أَنَّه كَانَ لَهُ مِسْكٌ يتطيَّب بِهِ، وعَلى هَذَا جُلّ الْعلمَاءِ من الصَّحَابَةِ وَغَيرهم، وَهُوَ قَوْلُ عَليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ وسَلْمَانَ، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم، وَمُحَمّد بن سِيرِين وَسَعِيد بن الْمسيب وَجَابِر بن زيد وَالشَّافِعِيّ وَمَالكٍ وَاللَّيْث وَأحْمَدَ وَإِسْحَاقَ. وَخَالفَ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ، فَذكر ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، قَالَ عُمَرُ، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ:"لَا تُحَنِّطُونِي بِهِ"، وَكَرِهَهُ. وَكَذَا عُمَرُ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعَطَاء وَالْحسن وَمُجاهد وَالضَّحَّاك، وَقَالَ أَكْثَرُهُم: لَا يَصْلُح للحَيِّ وَلَا للْمَيِّتِ، لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ، وَهُوَ عِنْدهم بِمَنْزِلَة مَا أبين من الْحَيَوَانِ. قَالَ ابْن الْمُنْذر: لَا يَصِحُّ ذَلِك إلاَّ عَن عَطَاءٍ"اهـ (2) .
رابِعًَا: أَنَّ المِسْكَ من أَجْمَلِ العُطُورِ وأَحْلاهَا وأَطْيَبِهَا وأَغْلاهَا ولذلك ضُرِبَ به المَثَلُ فِي هذا الحَدِيثِ.