اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ كُلَّ حَيَوَانٍ جَازَ اقْتِنَاؤُهُ إِذَا كَانَ مُنْتَفَعًا بِهِ جَازَ اقْتِنَاءُ جَمِيعِ جِنْسِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُنْتَفَعٍ بِهِ كَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ طَرْدًا وَالْخَنَازِيرِ عَكْسًا"اهـ (3) ."
ثانيًا: دَلَّ الحديثُ على أَنَّ المَنَافِعَ المَشْرُوعَةَ التي يَجُوزُ اقْتِنَاءُ الكَلْبِ لأَجْلِهَا أَمْرَانِ:
الأوَّل: الصَّيدُ، فإنَّهُ يَجُوزُ اقْتِنَاءِ الْكَلْبِ المُعَلَّمِ المُدَرَّبِ على الصَّيْدِ لاصْطِيادِ الحَيَوانَاتِ البَرِّيَةِ.
الثانِي: يَجُوزُ اقتناء الكلب لِحِرَاسَةِ المَاشِيَةِ والزَّرْعِ ما عَدَا الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ (4) ، فإنَّه لا يَجُوزُ عند أحْمَدَ وإسْحَاقَ. قال فِي"تَيْسِير العَلَّام":"بِهذا نَعْلَمُ مَبْلَغَ ما لَدَى الغَرْبِيِّينَ من السَّفَاهَةِ وقِلَةِّ البَصِيرَةِ، إذْ فُتِنُوا باقتنائها لغير فَائِدَةٍ، ويُطْعِمُونَهَا أَحْسَنَ مَأْكُولٍ، ويَعْتَنُونَ بِهَا بالتَّغْسِيلِ والتَّنْظِيفِ وغَيْرِ ذلك، ويُلابِسُونَهَا، ويُقَبِّلُونَهَا، فهل بعد هذا من سَفَهٍ؟. والعَجَبُ أَنَّ مثل هذه العَادَاتِ والأعْمَالِ القَبِيحَةِ سَرَتْ إلى المُسْتَغْرِبِينَ مِنَّا، من الإمًعَاتِ المُقَلِّدِينَ، الذين عبدوا الغَرْبِيَّاتِ، وتَدَيَّنُوا بِأَعْمَالِهِم، وعَشَقُوا كُلَّ سَفَالَةٍ عِنْدَهُم. فَإنَّا للهِ وإنَّا إليه رَاجِعُون"اهـ (5) .
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"نَقَصَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطَانِ". قَالَ العَيْنِيُّ:"مطابقته للجزء الثَّانِي للتَّرْجَمَة وَهُوَ قَوْله أَو مَاشِيَةٍ صَرِيحًا، وللجزء الأول من حَيْثُ الْمَعْنى، وَهُوَ قَوْله: (وضَارِيَةٍ) (6) "اهـ.
(1) "تَيْسِير العَلَّام شَرْح عُمْدَةِ الأَحْكَامِ":"بَابُ الصَّيْد"ج 1 ص 720.
(2) "أوجز المسالك إلى موطأ مالك": ج 15.
(3) "الحاوي الكبير":"بَابُ بَيْعِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَمَا لَا يجوز"ج 5 ص 377.
(4) قال فِي"الاستذكار":"وَقَالَ بَعْضُ مَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ: الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ مِنَ الْكِلَابِ أَكْثَرُ أَذًى وَأَبْعَدُهَا مِنْ تَعَلُّمِ مَا يَنْفَعُ. وَرَوَوْا أَنَّ الْكَلْبَ الْبَهِيمَ الْأَسْوَدَ شَيْطَانٌ أَيْ بَعِيدٌ مِنَ الْخَيْرِ وَالْمَنَافِعِ قَرِيبٌ مِنَ الضُّرِّ وَالْأَذَى وَهَذَا شَأْنُ الشَّيَاطِينِ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ".
(5) "تَيْسِير العَلَّام شَرْح عُمْدَةِ الأَحْكَامِ":"بَابُ الصَّيْد"ج 1 ص 720.
(6) قال فِي"عمدة القاري":"لِأَنَّهُ من ضرى الْكَلْب بالصيد ضراوة أَي: تعود. وَكَانَ حَقه أَن يُقَال: أَو ضار، وَلكنَّه أُنِّث للتَّنَاسُب للفظ مَاشِيَة نَحْو: لَا دَريت وَلَا تليت، وَحقه تَلَوت وَكَذَلِكَ نَحْو الغدايا والعشايا؛ وَقيل: صفة للْجَمَاعَة الصَّائدين أَصْحَاب الْكلاب الْمُعْتَادَة للصَّيْد فسموا ضارية اسْتِعَارَة"اهـ.