تُرِيدُ أَنْ تُدْخِلَنِي عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا اسْتَقَامَ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى أَكَلْتُ الرُّطَبَ بِالْقِثَّاءِ فَسَمِنْتُ كَأَحْسَنِ السُّمْنَةِ» (3) .
ولا شَكَّ أَنَّ الجَمْعَ بين الرُّطَبِ الحَارِّ والقِثَّاءِ البَارِدَةِ يَدْخُلُ فِي بَابِ إصْلاحِ المَوَادِ بعضها ببعض، وهو أَصْلٌ من أُصُولِ الطِّبِ قَدِيمًَا وحَدِيثًَا، وذلك أنَّ الأطباء يَرَوْنَ أَنَّ غَالِبَ المَوَادِ تَحْتَوِي على مَضَارِّ ومَنَافِعِ، وأنَّهُ يَنْبَغِي عند استعمالها إصلاح بعضها ببعض، وينصحون لِمَنْ تَنَاوَلَ طَعَامًَا بَارِدًَا بَطِيء الهَضْمِ أَنْ يُصْلِحَهُ بِطَعَامٍ حَارٍّ هَاضِمٍ لِيُزِيلَ ضَرَرَ هذا بِهذا، وهذا مَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ قال ابن القيم:"الْقِثَّاءُ بَارِدٌ رَطْبٌ فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ، مُطْفِئٌ لِحَرَارَةِ الْمَعِدَةِ الْمُلْتَهِبَةِ، بَطِيءُ الْفَسَادِ فِيهَا، نَافِعٌ مِنْ وَجَعِ الْمَثَانَةِ، وَرَائِحَتُهُ تَنْفَعُ مِنَ الْغَشْيِ، وَبَزْرُهُ يُدِرُّ الْبَوْلَ، وَوَرَقُهُ إِذَا اتُّخِذَ ضِمَادًا نَفَعَ مِنْ عَضَّةِ الْكَلْبِ، وَهُوَ بَطِيءُ الِانْحِدَارِ عَنِ الْمَعِدَةِ، وَبَرْدُهُ مُضِرٌّ بِبَعْضِهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَعْمَلَ مَعَهُ مَا يُصْلِحُهُ وَيَكْسِرُ بُرُودَتَهُ وَرُطُوبَتَهُ، كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَكَلَهُ بِالرُّطَبِ، فَإِذَا أُكِلَ بِتَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ عَسَلٍ عَدَلَهُ"اهـ (4) .
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:"رَأَيْتُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ الرُّطَبَ بِالقِثَّاءِ".
(1) قال فِي"مجمع الزوائد ومنبع الفوائد":"رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَطِ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ وَفِيهِ أَصْرَمُ بْنُ حَوْشَبٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ".
(2) "زاد المعاد": [فَصْلٌ عَدَمُ الْأَكْلِ أَوِ الْجَمْعِ بَيْنَ بَعْضِ الْأَطْعِمَةِ] ج 4 ص 204.
(3) قال فِي مسند أبِي يعلى الموصلي:"إِسْنَادُهُ صَحِيِحٌ".
(4) "زاد المعاد": [قِثَّاءٌ] ج 4 ص 323.