الحَدِيثِ". وَعَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ:"ليس بِهِ بأس". وعَن أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ:"ثِقةٌ". وقال بن سعد:"كان معروفًا وله أحاديث". وقال بن حبان:"لا يجوزُ أنْ يُحْتَجَ به لغلبة المناكير في روايته"."
الحديث: أَخْرَجَهُ أَيْضًَا التِّرْمِذِيّ والنَّسَائِيّ وابن ماجة.
معنى الحديث: يَقُولُ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"مَا عَلِمْتُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَلَ عَلَى سُكْرُجَةٍ (1) قَطُّ"وهي صِحَافٌ أو أَطْبَاقٌ تُوْضَعُ فيها الكَوامِخُ أي المُخَلِّلاتُ والمُشَهِّيَاتُ، ومعناه أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَتَنَاوَل طَعَامَهُ مَصْحُوبًَا بِهذه المُشَهِّيَاتِ التي تفتح الشهية؛ ولَمْ تكن هذه الأطباق التي فيها الكَوامِخُ والمُهَضِّمَاتُ تُوْضَعُ على مَائِدَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لأنَّهُ لَمْ يكن يَشْبَعُ من الطَّعَامِ غَالِبًَا، فلا حَاجَةَ بِهِ إلى هَضْمِهِ -كما أفاده العراقي -."وَلاَ خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ قَطُّ"أي ولَمْ يُخْبَزْ له صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك الخُبْزُ الرَّقِيقُ الفَاخِرُ المُسَمَّى بالرُّقَاقِ."وَلاَ أَكَلَ عَلَى خِوَانٍ قَطُّ"أي ولا أَكَلَ فِي حياته كلها على مَائِدَةٍ من تلك المَوَائِدِ النُّحَاسِيَّةِ المُرْتَفِعَةِ عن الأَرْضِ التي يأكل عليها العُظَمَاءُ والمُتْرَفوُنَ:"قِيلَ لِقَتَادَةَ: فَعَلاَمَ كَانُوا يَأْكُلُونَ؟"أي على أي شَيْءٍ كان يَأْكُلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأَصْحَابُهُ"قَالَ: عَلَى السُّفَرِ"التي تُمَدُّ على الأَرْضِ تَوَاضُعًَا وزُهْدًَا فِي الدُّنْيَا ومظاهرها.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتَارَ لِنَفْسِهِ طَرِيقَ الزُّهْدِ والتَّقَشُّفِ، وأَعْرَضَ عن كل مَا فِي هذه الدُّنْيَا من مَلاذِّ الحَيَاةِ ومَظَاهِرِ التَّرفِ والنَّعِيمِ، فلم يتناول الأَطْعِمَةَ الشَّهِيَةَ، ولا أكل على المَوائِدِ الفَاخِرَةِ، ولا اسْتَعْمَلَ الكَوامِخَ والمُشَهِّيَاتِ؛ وإِنَّمَا قَنَعَ من الطَّعَامِ بِلُقَيْمَاتٍ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، لا تَحْرِيمًَا منه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (2) لِمَلاذِّ الحَيَاةِ وطَيِّبَاتِهَا، وإِنَّمَا ترك ذلك زُهْدًَا وإيِثَارًَا للحياة البَاقِيَةِ، وفِي هذا دَلِيلٌ وَاضِحٌ على أَنَّ الزُّهْدَ سُلُوكٌ فاضلٌ من هَدْي النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ، وقد كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِمَامَ الزَّاهِدِينَ وقُدْوَتَهُم؛ لَمْ يَتْرُك الدُّنْيَا اضْطِرَارًَا، بل كان فِي إمْكَانِهِ أَنْ يَنَالَ ما يَشَاءُ، ويَحْصُلُ على مَا يُرِيدُ، ولَكِنَّهُ آثَرَ أنْ يكون عَبْدًَا رَسُولًا، وقال لِعُمَرَ حين قَالَ له:"ادْعُ اللَّهَ فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُمَّتِكَ، فَإِنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ، وَأُعْطُوا الدُّنْيَا وَهُمْ لاَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ: «أَوَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ؟ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا» "متفق عليه؛ وهذه رواية البُخَارِيّ.
والمطابقة: فِي قَوْلِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وَلاَ خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ قَطُّ".
(1) قال مصطفى البغا:" (سُكْرُجَةٍ) هي قصاع يوضع فيها المُشَهِّيات كالسَّلَطَة ونحوها. (خِوَانٍ) طبق مرتفع يوضع عليه الطعام وهو ما يسمى الآن بالطاولة والمنضدة. (السُّفَرِ) جمع سُفْرَة وهي جلد مستدير حوله حلق"