معنى الحديث: يقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِذَا أَنْفَقَ المُسْلِم نَفَقَةً"أي إذا صرف العبد المُسْلِم شيئًا من ماله"عَلَى أَهْلِهِ"سواء كان زوجته أو ولده أو عبده أو أمته، وسواء كانت هذه المؤونة طعامًا أو شرابًا أو كساءً أو أجرة منزل أو استهلاك ماء أو كهرباء أو دواء"وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا"أي والحال أنَّه يريد بها وجه الله وابتغاء مرضاته"كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً"أي كافأه الله تعالى على حسن نيته، فأثابه عليها ثواب الصَّدَقَة.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أولًا: مشروعية النَّفَقَةِ على الزَّوْجَة والولد الصغير والأب والعبد لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِذَا أَنْفَقَ المُسْلِم نَفَقَةً عَلَى أَهْلِهِ"، وكل هؤلاء يدخلون فِي الأهل قال الحافظ: (وَقَالَ الطَّبَرِيُّ مَا مُلَخَّصُهُ:"الْإِنْفَاقُ عَلَى الْأَهْلِ وَاجِبٌ وَالَّذِي يُعْطِيهِ يُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ بِحَسَبِ قَصْدِهِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَوْنِهَا وَاجِبَةً وَبَيْنَ تَسْمِيَتِهَا صَدَقَة؛ ً بَلْ هِيَ أَفْضَلُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ". وَقَالَ الْمُهَلَّبُ:"النَّفَقَةُ عَلَى الْأَهْلِ وَاجِبَةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنَّمَا سَمَّاهَا الشَّارِعُ صَدَقَةً خَشْيَةَ أَنْ يَظُنُّوا أَنَّ قِيَامَهُمْ بِالْوَاجِبِ لَا أَجْرَ لَهُمْ فِيهِ، وَقَدْ عَرَفُوا مَا فِي الصَّدَقَةِ مِنَ الْأَجْرِ، فَعَرَّفَهُمْ أَنَّهَا لَهُمْ صَدَقَةٌ حَتَّى لَا يُخْرِجُوهَا إِلَى غَيْرِ الْأَهْلِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَكْفُوهُمْ تَرْغِيبًا لَهُمْ فِي تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ قَبْلَ صَدَقَة التَّطَوُّع) اهـ (2) ."
وقال فِي"الإِفصاح":"واختلفوا فيما إذا بلغ الولد معسرًا أو لا حرفة له، فقال أَبُو حَنِيْفَةَ: تسقط نفقة الغلام إذا بلغ صحيحًا (3) ، وتسقط نفقة الجارية إذا تزوجت" (4) ، وقال مالك كذلك؛ إلاّ أنه قال:"لا تَسْقُطُ نَفَقَةُ الجَارِيَةِ حَتَّى يَدْخَلَ بِهَا الزَّوْجُ". وقال أحْمَدُ:"لا تَسْقُطُ نَفَقَةُ الوَلَدِ عن أَبِيهِ وإِنْ بَلَغَ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ ولا مَالٌ". وقال الشَّافِعِيُّ:"فَيُنْفِقُ الرَّجُلُ عَلَى وَلَدِهِ حَتَّى يَبْلُغُوا الْحُلُمَ أَوِ الْمَحِيضَ ثُمَّ لَا نَفَقَةَ لَهُمْ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا زَمْنَى فَيُنْفِقَ عَلَيْهِمْ إِذَا كَانُوا لَا يُغْنُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَكَذَلِكَ وَلَدُ وَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلُوا مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَبٌ دُونَهُ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِمْ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ. إِذَا وَجَبَتْ نَفَقَةُ الْوَلَدِ لِصِغَرِهِ سَقَطَتْ بِبُلُوغِهِ مَا لَمْ تَخْلُفِ الصِّغَرَ زَمَانَةٌ أَوْ جُنُونٌ سَوَاءٌ كَانَ الْوَلَدُ غُلَامًا أَوْ جَارِيَةً، فَإِذَا احْتَلَمَ الْغُلَامُ أَوْ حَاضَتِ الْجَارِيَةُ سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا"اهـ (5) .
قَالَ فِي"فِقْهُ السُّنَّةِ": (وكَمَا تَجِبُ النَّفَقَةُ على الوَلَدِ المُوْسِرِ لِوَالِدِهِ المُعْسِرِ فَإِنَّهَا تَجِبُ للوَلَدِ المُعْسِرِ على وَالِدِهِ المُوْسِرِ، لقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِنْدٍ:"خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ". قال أحْمَدُ:"إذا بَلَغَ الوَلَدُ مُعْسِرًَا أوْ لا حِرْفَةَ له لا تَسْقُطُ نَفَقَتُهُ عَنْ أَبِيهِ وإِنْ بَلَغَ؛ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ ولا مَالٌ") اهـ (6) .
واتَّفَقُوا فِيمَا إذا بَلَغَ الابْنُ مَرِيضًَا أَنَّ النَّفَقَةَ واجِبَةٌ على أَبِيهِ، أو كَانَتْ جَارِيَةٌ مُزَوَّجَةً ثُمَّ طَلَّقَهَا بعد ذلك، فقالوا: تَعُودُ النَّفَقَةُ على الأَبِ؛ إلاّ مَالِكًَا فَإِنَّهُ قال:"لا تَعُودُ" (7) . قال ابن قدامة: