وبن جَرِيرٍ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ: يَجِبُ قَضَاءُ الْجَمِيعِ فِي الثَّيِّبِ وَالْبِكْرِ؛ وَاسْتَدَلُّوا بِالظَّوَاهِرِ الْوَارِدَةِ بِالْعَدْلِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ. وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَهِيَ مُخَصِّصَةٌ لِلظَّوَاهِرِ الْعَامَّةِ"اهـ (2) . قال فِي"مرقاة المفاتيح":"قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ مِنَ السُّنَّةِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا وَمَا بَعْدَهُ فِي تَأْوِيلِ الْمُبْتَدَأِ، أَيْ مِنَ السُّنَّةِ إِقَامَةُ الرَّجُلِ (عِنْدَهَا) : أَيْ: عِنْدَ الْبِكْرِ (سَبْعًا) : أَيْ: سَبْعَ لَيَالٍ (وَقَسَمَ) : أَيْ: وَسَوَّى بَيْنِ الْحَدِيثَةِ وَالْقَدِيمَةِ، وَمَنْ يَرَى التَّفْضِيلَ لِلْجَدِيدَةِ يَقُولُ: وَقَسَمَ أَيْ بَعْدِ الْفَرَاغِ مِنَ السَّبْعِ، كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا. (وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَسَمَ) : أَخَذَ بِظَاهِرِهِ الشَّافِعِيُّ وَعِنْدَنَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَدِيمَةِ وَالْجَدِيدَةِ"اهـ (3) ."
وذهب الحنفية:"إلى أنه لا فرق بين القديمة والجديدة، وليس هناك حق للزفاف تختص به الجديدة بكرًا أو ثيبًا إلاّ بالبداءة بها فقط، فإن أقام عند البكر سبعًا قضى لكل واحدة من نسائه سبعًا، وإن أقام عند الثيب ثلاثًا قضى لكل واحدة من نسائه ثلاثًا لعموم الأدلة على وجوب العدل بين الزَّوجات" (4) . والظاهر ما ذهب إليه الجمهور، ويؤيد ذلك ما رواه الدَّارَقُطنِيّ أن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لأُمِّ سَلَمَةَ:"لَيْسَ بِكِ هَوَانٌ عَلَى أَهْلِكِ إِنْ شِئْتِ أَقَمْتُ مَعَكِ ثَلَاثًا خَالِصَةً لَكِ" (5) أي بُدُونِ قَضَاءٍ.
قال فِي "الْمُغْنِي":"وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، وَلَا يَقْضِيهَا، إلَّا أَنْ تَشَاءَ هِيَ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا سَبْعًا، فَإِنَّهُ يُقِيمُهَا عِنْدَهَا، وَيَقْضِي الْجَمِيعَ لِلْبَاقِيَاتِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَنَسٍ وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ وَخِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو، وَنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ: لِلْبِكْرِ ثَلَاثٌ وَلِلثَّيِّبِ لَيْلَتَانِ؛ وَنَحْوُهُ قَالَ الْأَوْزَاعِيّ. وَقَالَ الْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا فَضْلَ لِلْجَدِيدَةِ فِي الْقَسْمِ، فَإِنْ أَقَامَ عِنْدَهَا شَيْئًا قَضَاهُ لِلْبَاقِيَاتِ؛ لِأَنَّهُ فَضَّلَهَا بِمُدَّةٍ، فَوَجَبَ قَضَاؤُهَا، كَمَا لَوْ أَقَامَ عِنْدَ الثَّيِّبِ سَبْعًا. وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: مِنْ السُّنَّةِ إذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ، أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا وَقَسَمَ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَسَمَ" اهـ (6) . أمَّا اسْتِدْلالُ أَبِي حَنِيْفَةَ بِعُمُومِ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ فِي العَدْلِ بين الزَّوْجَاتِ، فَإِنَّ حَدِيثَيْ أَنَسٍ وأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مُخَصِّصَانِ لِعُمُومِ تلك الأحاديث، واللهُ أَعْلَم."وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ هَذَا الْمَقَامَ عِنْدَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ إِذَا كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ أُخْرَى: وَاجِبٌ أَمْ مُسْتَحَبٌّ؟ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَمُوَافِقِيهِمْ أنَّهُ وَاجِبٌ، وهي رِوَايَةِ بْنِ القَاسِمِ عن مَالِكٍ. ورَوَى عنه بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ"اهـ (7) .
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"السُّنَّةُ إِذَا تَزَوَّجَ البِكْرَ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا".
(1) قال الحافظ:"وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: قَوْلُ أَبِي قِلَابَةَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ ظَنَّ أَنَّهُ سَمِعَهُ عَنْ"