ولكن لا يَلْزَم أَنْ تَأْذَنَ بِصَرِيحِ القَوْلِ، لأنَّهَا يَغْلُبُ عليها الحَيَاءُ بل يكفي منها كُلُّ مَا يَدُلُّ على رِضَاهَا ولو بِإشَارَةٍ، أو سُكُوتٍ، ولهذا لمّا"قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟"أي وكيف يكون إِذْنُهَا؟ وهل يَلْزَمْ أنْ يكون بِصَرِيحِ القَوْلِ كالثَّيِّبِ؟"قَالَ: أَنْ تَسْكُتَ"كذا فِي رواية البُخَارِيّ وأبِي داوُد وغيره من الصِّحَاحِ، وفِي رِوَايَةٍ التِّرْمِذِيّ:"وَإِذْنُهَا الصُّمُوتُ"أي السُّكُوتِ أي أنَّه يُكْتَفَى منها بِسُكُوتِهَا.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أنَّهُ لا يَجُوزُ للوَلِيِّ أَنْ يُزَوِّجَ المَرْأةَ التي تَحتَ وِلايَتِهِ إلاّ بإذْنِهَا سَوَاءٌ كانت بِكْرًَا أو ثَيِّبًَا، فإِنْ كانت ثَيِّبًَا عَبَّرَتْ عن رِضَاهَا بِصَرِيحِ القَوْلِ، بِأنْ تَقُولَ أَيَّ كَلِمَةٍ صَرِيحَةٍ تَدُلُّ على الرِّضَا، حَتَّى كأنَّهَا تَأْمُر وليها بِتَزْوِيجِهَا منه، لأَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تُسْتَأْمَرْ .. معناه حَتَّى يُؤْخَذُ أَمْرُهَا بذلك.
قال فِي"المنتقى":" (وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا) بِالضَّمِّ سُكُوتُهَا، قَالَ الْقُطْرُبِيُّ: هَذَا مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرَاعَاةً لِتَمَامِ صَوْنِهَا وَإِبْقَاءً لِاسْتِحْيَائِهَا، لِأَنَّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ صَرِيحًا لَظُنَّ أَنَّهَا رَاغِبَةٌ فِي الرِّجَالِ وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ فِي الْبِكْرِ، وَاسْتَحَبَّ الْعُلَمَاءُ أَنْ تُعَلَّمَ: صُمَاتُهَا إِذْنٌ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي حَمْلِ الْبِكْرِ هُنَا عَلَى الْيَتِيمَةِ كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، وَحَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَلَوْ ذَاتَ أَبٍ، لَكِنْ عَلَى النَّدْبِ لَا الْوُجُوبِ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالْأَوْزَاعِيُّ: يَلْزَمُ ذَلِكَ فِي كُلِّ بِكْرٍ"اهـ (2) . وقال النووي:"وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ إِعْلَامُ الْبِكْرِ بِأَنَّ سُكُوتَهَا إِذْنٌ وَشَرَطَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ"اهـ (3) .
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي"الْفَتْحِ": وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَب يُزَوِّج الْبِكْر الْبَالِغ بِغَيْرِ إِذْنهَا. فَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْرِيّ وَالْحَنَفِيَّة وَوَافَقَهُمْ أَبُو ثَوْر: يُشْتَرَط اِسْتِئْذَانهَا، فَلَوْ عُقِدَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ اِسْتِئْذَان لَمْ يَصِحّ. وَقَالَ الْآخَرُونَ: يَجُوز لِلْأَبِ أَنْ يُزَوِّجهَا وَلَوْ كَانَتْ بَالِغًا بِغَيْرِ اِسْتِئْذَان وَهُوَ قَوْل اِبْن أَبِي لَيْلَى وَمَالِك وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق، وَمِنْ حُجَّتهمْ مَفْهُوم حَدِيث الْبَاب لِأَنَّهُ جَعَلَ الثَّيِّب أَحَقّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيّهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ وَلِيّ الْبِكْر أَحَقّ بِهَا مِنْهَا"اهـ (4) ."
قال النووي:"قَالَ الشَّافِعِيُّ وبن ابي ليلى وأحمد وإسحاق وَغَيْرُهُمُ الِاسْتِئْذَانُ فِي الْبِكْرِ مَأْمُورٌ بِهِ فَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ أَبًا أَوْ جَدًّا كَانَ الِاسْتِئْذَانُ مَنْدُوبًا إِلَيْهِ وَلَوْ زَوَّجَهَا بِغَيْرِ اسْتِئْذَانِهَا صَحَّ لِكَمَالِ شَفَقَتِهِ؛ وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُمَا مِنَ الْأَوْلِيَاءِ وجب الاستئذان ولم يصح إنكاحها قَبْلَهُ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْكُوفِيِّينَ: يَجِبُ الِاسْتِئْذَانُ فِي كُلِّ بِكْرٍ بَالِغَةٍ! وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ"