معنى الحديث: تَرْوِي عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا"أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا رَجُلٌ"- قال الحافظ: وأَظُنُّه ابْنًا لأَبِي القعيس -"فَكَأَنَّهُ تَغَيَّرَ وَجْهُهُ، كَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ"؛ وفي رواية مُسْلِم:"فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ"؛ فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ"أي دَقِّقْنَ النَّظَرَ فِي سبب هذه الأُخُوَّةِ، وكيف وَقَعَتْ هذه الرَّضَاعَةِ، فليست كُلّ رَضَاعَةٍ تُحَرِّمُ،"فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجَاعَةِ"أي إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ التي تَثْبُت بِهَا الحُرْمَةُ، وتَحِلُّ بِهَا الخَلْوَةُ، ما تكون مِنَ المَجَاعَةِ، حين يكون الرَّضِيعُ طِفْلًا يَسُدُّ اللَّبَن جَوْعَتَهُ، ويَنْبُتُ لَحْمَهُ بذلك، فَيَصِيرُ كَجُزْءٍ من أَجْزَاءِ المُرْضِعَةِ ويُصْبِحُ كَسَائِرِ أَوْلادِهَا فِي الحُرْمَةِ.
قال فِي"عون المعبود":"قَالَ الْإِمَام أَبُو سُلَيْمَان الْخَطَّابِيّ فِي"الْمَعَالِم": مَعْنَاهُ أَنَّ الرَّضَاعَةَ الَّتِي بِهَا يَقَعُ الْحُرْمَةُ مَا كَانَ فِي الصِّغَرِ؛ وَالرَّضِيعُ طِفْلٌ يُقَوِّيِهِ اللَّبَن وَيَسُدّ جُوعَهُ"اهـ (1) .
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: أَنَّ الرَّضَاعَةَ المُعْتَبَرَةَ شَرْعًَا فِي تَحْرِيمِ الرَّضِيعِ هي الْمُغْنِيَةِ مِنَ المَجَاعَةِ التي تَكُونُ فِي مُدَّةِ الرَّضَاعِ قَبْلَ تَمَامِ الحَوْلَيْنِ، ويؤيده حَدِيثُ أُمّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قال:"لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ فِي الثَّدْيِ، وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ"أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (2) والنَّسَائِيّ، والعمل على هذا عند أَكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ:"أَنَّ الرَّضَاعَةَ لا تُحَرِّمُ إلاّ ما كان دُونَ الحَوْلَيْنِ وما كان بعد الحَوْلَيْنِ فَإِنَّهُ لا يَحُرِّمُ شَيْئًَا، وهو مذهب الجمهور"؛ قال فِي"الموسوعة الفقهية":"لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ ارْتِضَاعَ الطِّفْل وَهُوَ دُونَ الْحَوْلَيْنِ يُؤَثِّرُ فِي التَّحْرِيمِ. فَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ الأَصَحُّ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّ مُدَّةَ الرَّضَاعِ الْمُؤَثِّرِ فِي التَّحْرِيمِ حَوْلاَنِ، فَلاَ يُحَرِّمُ بَعْدَ حَوْلَيْنِ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} ، وَقَالُوا: جَعَل اللَّهُ الْحَوْلَيْنِ الْكَامِلَيْنِ تَمَامَ الرَّضَاعَةِ، وَلَيْسَ وَرَاءَ تَمَامِ الرَّضَاعَةِ شَيْءٌ"اهـ (3) . ورواه ابن وهب عن مالك. فيما قال فِي"بدائع الصنائع":"وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: حَوْلَانِ لَا يُحَرِّمُ بَعْدَ ذَلِكَ فُطِمَ أَوْ لَمْ يُفْطَمْ، احْتَجَّ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ بِقَوْلِهِ {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْحَوْلَيْنِ الْكَامِلَيْنِ تَمَامَ مُدَّةِ الرَّضَاعِ وَلَيْسَ وَرَاءَ التَّمَامِ شَيْءٌ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا} وَأَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ فَبَقِيَ مُدَّةُ الْفِصَالِ حَوْلَيْنِ. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ «لَا رَضَاعَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ» وَهَذَا نَصُّ فِي الْبَابِ". وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَوْله تَعَالَى