المعاملات ما يُمَارِسَهُ، ويَحْتَاجُ إليه، فلا يُقْدِمُ على شَيْءٍ من بيعٍ أو شراءٍ أو نكاحٍ أو طلاقٍ حتَّى يعرف حكم الله فيه، ويسأل أهل العلم عنه. قال الحسن بن الربيع: (سألت ابن المبارك عن قَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ"فقال: ليس هو الذي يطلبونه، ولكن فريضة على من وقع فِي شَيْءٍ من أمر دِينِهِ أنْ يسأل عنه حتَّى يَعْلَمُه) . وروى ابن عبد البر عن ابن وهب قال:"سُئل مالك عن طلب العلم: أهو فريضة على النَّاس؟ فقال: لا، ولكن يطلب المرء ما ينتفع به فِي دِينِهِ".
وأما فرض الكفاية: فهو ما يَجِبُ أنْ يَتَخَصَّصَ فيه طائفة من المسلمين فإذا قام به البعض سقط عن الباقين، ولو تركه أهل البلد كلهم لأثموا جَميعًا. وقد اختلف أهل العلم فيما يدخل فِي فرض الكفاية من العلوم الإِسلامية والإنسانية والمدنية. قال ابن القيم:"وَأما فرض الْكِفَايَة فَلَا اعْلَم فِيهِ ضَابِطًا صَحِيحًا، فَإنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُدْخِلُ فِي ذَلِك مَا يَظُنّهُ فَرْضًا فَيُدْخِلُ بَعْضُ النَّاسِ فِي ذَلِك علم الطِّبّ وَعلم الْحساب وَعلم الهندسة والمساحة. وَبَعْضُهُمْ يزِيد على ذَلِك علم أصول الصِّنَاعَة: كالفِلاحَةِ والحِيَاكَةِ والحِدَادَة والخِيَاطَةِ وَنَحْوهَا. وَبَعْضُهُمْ يزيد على ذَلِك علم الْمَنْطِق؛ وَرُبَّمَا جعله فَرْضَ عَيْنٍ وبناه على عَدَمِ صِحَة إِيمَانِ الْمُقَلّد! وكل هَذَا هوس وخبط فَلَا فَرْضَ إِلَّا مَا فَرْضَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ. فيا سُبْحَانَ الله! هَل فَرَضَ اللهُ على كل مُسْلمٍ أنْ يكون طَبِيبًا حَجَّامًا حاسبًا مهندسًا؛ أوْ حائكًا أوْ فلاحًا أوْ نجارًا أوْ خَيَّاطًا؟! فَإِنَّ فَرْضَ الْكِفَايَة كفرض الْعين، فِي تعلقه بِعُمُوم الْمُكَلّفين. وَإِنَّمَا يُخَالِفهُ فِي سُقُوطه بِفعل الْبَعْض"اهـ (2) . ويرى ابن القيم أنَّ هذه العلوم من بَابِ:"مَا لا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلا بِهِ"؛ وهو قول الغزالي أَيْضًَا حيث يقول:"إنَّ العلوم التي ليست بشرعية تنقسم إلى ما هو مَحْمُودٌ وإلى ما هو مَذْمُومٌ؛ وإلى ما هو مُبَاحٌ. فالمحمود ما يرتبط به مصالح أمور الدُّنْيَا كالطب والحساب وذلك ينقسم إلى: ما هو فرض كفاية وإلى ما هو فضيلة وليس بفريضة. أمَّا فرض الكفاية فهو علم لا يستغنى عنه فِي قوام أمور الدُّنْيَا كالطب إذ هو ضَرُورِيٌّ فِي حاجة بقاء الأبدان وكالحساب فإنَّهُ ضَرُورِيٌّ فِي المعاملات وقِسْمَةِ الوَصَايَا والمواريث وغيرهِما وهذه هي العلوم التي لو خلا البلد عَمَّنْ يقوم بِهَا حرج أهل البلد؛ وإذا قام بِها وَاحِدٌ كفى وسقط الفرض عن الآخرين"اهـ (3) . وقد اتسعت دائرة العلوم الإِسلامية، حتَّى أنَّ الإِمَامَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ عَدَّ فِي مجلس الرَّشِيدِ ثَلاثةً وسِتِّينَ عِلْمًَا. ونقل السيوطي عن القاضي أبِي بكر بن العربي المالكي أنَّه ذكر فِي قانون التَّأْوِيلِ أنَّ علوم القرآن بلغت أضْعَافَ كلماته أَرْبَعَ مَرَّاتٍ.
(1) "مفتاح دار السعادة"لابن القيم: ج 1 ص 156.
(2) المصدر السابق: ج 1 ص 157.
(3) "إحياء علوم الدين"للإمام الغزالي:"بيان العلم الذي هو فرض كفاية"ج 1 ص 16.