فهرس الكتاب

الصفحة 2277 من 2668

من أَهْلِ النُّفُوسِ السَّلِيمَةِ من العِنَادِ والاسْتِكْبَارِ إلا بَادَرَ إلى الإِيْمَانِ به كما فَعَلَ سَحَرَةُ فِرْعَونَ لَمَّا شَاهَدُوا مُعْجِزَةَ مُوسَى."وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ"أَيْ وإِنَّمَا كَانَتِ المُعْجِزَةُ العُظْمَى التي أَعْطَاهَا اللهُ لِي هِيَ هذا الكِتَابُ الخَالِدُ البَاقِي إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، فَمَا مِنْ أَحَدٍ يَقْرَأهُ بِتَأَمُّلٍ وتَدَبُّرٍ دُونَ عِنَادٍ أو حَسَدٍ أو تَكَبُّرٍ إلاّ عَرِفَ أَنَّهُ كَلامُ الِله، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ لِمَا فِيهِ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ التي لا تَأَتِي إلاّ من خَبَرِ السَّمَاءِ، ومَا اشْتَمَلَ عليه من الأَحْكَامِ والقَوانِينَ الإِلَهِيَّةِ التي تُصَانُ بِهَا حُقُوقُ الإِنْسَانِ من دِينٍ ونَفْسٍ ومَالٍ ونَسَبٍ وعَقْلٍ وعِرْضٍ. والقُرْآنُ لا تَنْتَهِي مَعَارِفَهُ عِنْدَ حَدٍّ، وإِنَّمَا هِيَ تَتَجَدَّدُ وتَنْكَشِفُ على مَرِّ العُصُورِ والأَزْمَانِ.

وليس معنى هذا أنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُؤْتَ مُعْجِزَةً أُخْرَى غَيْرَ القُرْآنِ؛ كَلَّا فَلَقَدْ أُوتِيَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المُعْجِزَاتِ مَا لَمْ يُؤْت نَبِيٌّ قَبْلَهُ، ومن ذلك: نَبْعُ المَاءِ من بَيْنِ أَصَابِعِهِ، وهِيَ أَبْلَغُ من مُعْجِزَةِ مُوسَى، لأَنَّ نَبْعَ المَاءِ من الصَّخْرِ أَمْرٌ مُشَاهدٌ مَأْلوفٌ، أمَّا نَبْعُ المَاءِ من بَيْنِ اللَّحْمِ والعَظْمِ والأَصَابِعِ فَإِنَّهُ لا يَخْطُرُ على البَالِ. ولكن مَعْنَى قَوْلِهِ:"وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ"أَنَّ مُعْجِزَةَ القُرْآنِ أَعْظَمُ مُعْجِزَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَنَّ تِلْكَ المُعْجِزَاتِ لا يعرفها إلاّ من عَاصَرَهَا؛ أَمَّا القُرْآنُ فَإِنَّهُ المُعْجِزَةُ الدَّائِمَةُ البَاقِيَةُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ يَعْرِفُهَا ويَرَاهَا ويَقْرَؤهَا كُلُّ من أَرَادَها، ويَسْتَدِلُّ بِهَا على صِدْقِهِ وصِحَّةِ رِسَالَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ."فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ القِيَامَةِ"أي وَبِمَا أَنِّي قَدْ أُعْطِيتُ هذه المُعْجِزَةِ العُظْمَى، وهي هذا الكِتَابُ الخَالِدُ الذي"لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ"فَإنِّي أَرْجُو أَنْ يقرأه النَّاسُ على مَرِّ العُصُورِ، فَيَدْخُلُوا فِي دِينِ اللهِ أفْوَاجًَا، فَأَكُونُ أَكْثَرَ الأَنْبِيَاءِ أَتْبَاعًَا.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أَوَّلًا: أَنَّ مِنْ فَضَائِلِ القُرْآنِ كُوْنُهُ المُعْجِزَةُ الخَالِدَةُ لِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمِيعِ العُصُورِ والأَزْمَانِ، ولهذا اقْتَصَرَ على ذِكْرِهِ فِي هذا الحديث، حتَّى كَأنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْتِ بِمُعْجِزَاتٍ أُخْرَى غَيْرِهِ، ولكن لأَنَّ تلك المُعْجِزَاتِ لا تَأْثِيرَ لَهَا إِلاّ فِي زَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أمَّا هذه المُعْجِزَة فإنَّهَا يُسْتَدَلُّ بِهَا على صِدْقِ رِسَالَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَدَى الحَيَاةِ، إلى أَنْ يَرِثَ اللهُ الأَرْضَ ومن عَلَيْهَا.

ثانيأ: كَثْرَةُ أتْبَاعِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ القِيَامَةِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ القِيَامَةِ".

والمطابقة: فِي كَوْنِهِ يَدُلُّ على أَنَّ القُرْآنً أَعْظَمُ المُعْجِزَاتِ على الإِطْلاقِ وهذا من أَشْرَفِ فَضَائِلِهِ وَمَزَايَاهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت