معنى الحديث: يُحَدِّثُنَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ من قُبُورِهِم إلى أَرْضِ المَحْشَرِ فَيُجْمَعُونَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ لانْتِظَارِ مُحَاكَمَتِهِم ومُحَاسَبَتِهِم فِي يَوْمٍ عَظِيمٍ، يَبْلُغُ طُوْلُهُ آلاف السِّنِينَ"حَتَّى يَغِيبَ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ"أي فِي عَرَقِهِ"إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ"أي حتَّى يَصِلَ العَرَقُ إلى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ. وعن المقداد بن الأسود الكندي قال:"سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ أُدْنِيَتِ الشَّمْسُ مِنَ العِبَادِ حَتَّى تَكُونَ قِيدَ مِيلٍ أَوْ اثْنَيْنِ» - قَالَ سُلَيْمٌ: لَا أَدْرِي أَيَّ الْمِيلَيْنِ عَنَى؟ أَمَسَافَةُ الْأَرْضِ، أَمُ الْمِيلُ الَّذِي يُكْحَلُ بِهِ الْعَيْنُ؟ - قَالَ: «فَتَصْهَرُهُمُ الشَّمْسُ، فَيَكُونُونَ فِي العَرَقِ بِقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى عَقِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى حِقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ إِلْجَامًا» فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ: أَيْ يُلْجِمُهُ إِلْجَامًا" (2) .
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: تَفْسِيرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ وبَيَانُ الحَالَةِ التي يَكُونُ عليها النَّاسُ فِي المَوْقِفِ: من الكَرْبِ، والضِّيِقِ، وكَثْرَةِ العَرَقِ، وشِدَّةِ الحَرِّ، وطُوُلِ القِيَام، حتَّى أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يَقُولُ كما رَوَتْهُ عنه أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا:"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي وَعَافِنِي؛ وَيَتَعَوَّذُ مِنْ ضِيقِ الْمُقَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"أَخْرَجَهُ ابْن مَاجَه (3) .
ثانيًا: أَنَّ طُولَ القِيامِ وكَثْرَةَ العَرَقِ يَكُونَانِ لِكُلِّ وَاحِدٍ ولَكِنَّ اللهَ يُخَفِّفُهُ على العَبْدِ الصَّالِحِ.
والمطابقة: فِي كَوْنِ الحَدِيثِ مُشْتَمِلًا على الآيَةِ الكَرِيمَةِ ومُتَضَمِّنًَا لِتَفْسِيرِهَا.
(1) قال الحافظ فِي"الفتح":"وَأَصْلُ الْبَعْثِ إِثَارَةُ الشَّيْءِ عَنْ جَفَاءٍ وَتَحْرِيكُهُ عَنْ سُكُونٍ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا إِحْيَاءُ الْأَمْوَاتِ وَخُرُوجُهُمْ مِنْ قُبُورِهِمْ وَنَحْوُهَا إِلَى حُكْمِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ"اهـ.
(2) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وقال: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ» وَفِي البَاب عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَابْنِ عُمَرَ.
(3) قال فِي"سنن ابْن مَاجَه ت الأرنؤوط":"إسناده حسن. وأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدُ (766) ، والنَّسَائِيّ 3/ 208 و 8/ 284 من طريق زيد بن الحباب، بِهذا الإسناد. وأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدُ (5085) من طريق شريق الهوزني، عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، بنحوه."