فِي كُلِّ صَلَاةٍ؟! وَلَوْ سَلِمَ وُجُودُ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّكْرَارِ لَكَانَ تَرْكُهَا فِي تَعْلِيمِ الْمُسِيءِ دَالًا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ!. وَمِنْ جُمْلَةِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «الْبَخِيلُ مَنْ ذُكِرْت عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» قَالُوا: وَقَدْ ذُكِرَ النَّبِيُّ فِي التَّشَهُّد وَهَذَا أَحْسَنُ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ، لَكِنْ بَعْدَ تَسْلِيمِ تَخْصِيصِ الْبُخْلِ بِتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ وَالْعُرْفِ يُطْلِقُونَ اسْمَ الْبَخِيلِ عَلَى مَنْ يَشِحُّ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ؛ فَلَا يُسْتَفَادُ مِنْ الْحَدِيثِ الْوُجُوبُ. وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيِّ بِلَفْظِ: «لَا صَلَاةَ إلَّا بِطَهُورٍ وَالصَّلَاةِ عَلَيَّ» وَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ فِي إسْنَادِهِ عَمْرُو بْنُ شِمْرٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ وَجَابِرٌ الْجُعْفِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمَطْلُوبِ، لِأَنَّ غَايَتَهُ إيجَابُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ دُونِ تَقْيِيدٍ بِالصَّلَاةِ، فَأَيْنَ دَلِيلُ التَّقَيُّدِ بِهَا؟ سَلَّمْنَا: فَأَيْنَ دَلِيلُ تَعْيِينِ وَقْتِهَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ؟ وَمِثْلُهُ حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيِّ وَالْحَاكِمِ بِلَفْظِ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَى نَبِيِّهِ» وَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُفِيدٍ لِلْمَطْلُوبِ كَمَا عَرَفْتَ ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ فِي"التَّلْخِيصِ") اهـ (3) .
وإِنَّمَا خُصَّ الوُجُوبُ بِالصَّلاةِ لِمَا فِي حَدِيثِ أبِي مَسْعُودٍ البَدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُم قَالُوا:"أمَّا السَّلامُ عَلَيْك فَقَدْ عَرَفْنَاهُ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ إِذَا نَحْنُ صَلَّيْنَا فِي صَلاتِنَا -صَلى الله عَلَيْكَ؟ فَصَمَتَ حَتَّى أحْبَبْنَا أَنَّ الرجُلَ لَمْ يَسْألْهُ، ثُمّ قَالَ:"إِذَا أنْتُمْ صَلَّيْتُمْ فَقُولُوا: اللَهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيّ الأُمِّيِّ وَعَلى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ"أَخْرَجَهُ ابن حبان والبَيْهَقِيّ (4) ."
ثَانِيًَا: أَنَّ الحَدِيثَ تَفُسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) لأَنَّ الآيَةَ تَضَمَّنَتِ الأَمْرَ بِالصَّلاةِ مُجْمَلًا، والحَدِيثُ تَضَمَّنَ تَفْسِيرِ هذه الصَّلاةِ، وبَيَانِ صِيْغَتِهَا.
والمطابقة: فِي كَوْنِ الحَدِيثِ تَفْسِيرًَا للآيَةِ المَذْكُورَةِ.
(1) ذكر فِي"المحلى":"عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: «أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ .. إلخ الحديث"اهـ.
(2) "المحلى بالآثار": [مَسْأَلَةٌ وَنَسْتَحِبُّ إذَا أَكْمَلَ المصلي التَّشَهُّدَ .... ] ج 3 ص 52.
(3) "نيل الأوطار": [بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ] ج 2 ص 331.
(4) قال فِي"موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان":"إِسْنَادُهُ صَحِيِحٌ، وهو فِي صحيح ابن خزيمة".