معنى الحديث: أَنَّ النَّاس يَشْتَدُّ عليهم الكَرْبُ فِي المَحْشَرِ فَيَبْحَثُونَ عن من يُخَلِّصُهُم من ذلك المَوْقِفِ الشَّدِيدِ، ويَنْقَسِمُونَ إلى جَمَاعَاتٍ، وتَذْهَبُ كُلُّ جَمَاعَةٍ إلى نَبِيِّهَا تَسْأَلُهُ الشَّفَاعَةَ فَيَعْتَذِرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُم عن الشَّفَاعَةِ قائلًا: نَفْسِي نَفْسِي، رَبِّي غَضِبَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلاَ يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، ويذكر خَطِيئَتَهُ، ويقول:"اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي"، فَيَنْتَقِلُونَ من وَاحِدٍ إلى آخَرَ.
"فَيَأْتُونِي، فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي"وهو معنى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ:"إِنَّ النَّاسَ يَصِيرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ جُثًا"أي جَمَاعَاتٌ جَمَاعَاتٌ"كُلُّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ نَبِيَّهَا"أي تذهب إليه تسأله الشَّفَاعَة فيعتذر عنها"حَتَّى تَنْتَهِيَ الشَّفَاعَةُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"أي حتى يصل إليه طلب الشَّفَاعَةِ، فيقول: أَنَا لَهَا؛"فَذَلِكَ يَوْمَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ المَقَامَ المَحْمُودَ"أي ففي ذلك اليوم يَبْعَثُ اللهُ مُحَمَّدًَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَقَامَ المَحْمُودَ، وهو مَقَامُ الشَّفَاعَةِ.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
إثْبَاتُ الشَّفَاعَةِ العُظْمَى لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهِيَ التي تكون لِفَصْلِ القَضَاءِ وإِرَاحَةِ النَّاسِ من ذلك المَوْقِفِ الشَّدِيدِ الذي تَشْتَدُّ فيه الأَهْوَالُ وتَتَفَاقَمُ، وَيَلْجَأُ النَّاسُ إِلَى الأَنْبِيَاءِ، فَيَقَولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُم:"نَفْسِي نَفْسِي"، فَيَتَصَدَّى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للشَّفَاعَةِ قَالَ:"وَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أَحْمَدُهُ بِهَا لاَ تَحْضُرُنِي الآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا"، فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى له:"يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ"أَخْرَجَهُ البُخَارِيّ. وجَمِيعُ هذه الأحَادِيث تَدُلُّ على إِثْبَاتِ الشَّفَاعَةِ كما يَدُلُّ عليه حَدِيثُ البَابِ، وعلى أنّها هي المَقَامَ المَحْمُودَ الذي وَعَدَهُ اللهُ به فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) فَقَدْ أطْمَعَ اللهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأعْطَاهُ الشَّفَاعَةَ فأصْبَحَ مَا أطْمَعَهُ فيه حَقِيقَةً ثَابِتَةً؛ لا يَتَخَلَّفُ أَبَدًَا، ولهذا قَالَ الْعُلَمَاءُ:"الرَّجَاءُ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ نَبِيِّهِ وَاقِعٌ؛ وَعَسَى وَلَعَلَّ مِنَ اللهِ وَاجِبَةٌ".
والمطابقة: فِي كَوْنِ الحَدِيثِ يَدُلُّ على مَعْنَى المَقَامِ المَحْمُودِ.