سَمِعت رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: «إِنَّ الْخَمْرَ مِنَ الْعَصِيرِ وَالزَّبِيب وَالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ، وَإنِّي أَنْهَاكمْ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ» (4) وفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قَالَ:"نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، وَإِنَّ فِي المَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ لَخَمْسَةَ أَشْرِبَةٍ مَا فِيهَا شَرَابُ العِنَبِ"أَخْرَجَهُ البُخَارِيّ، والأَشْرِبَةُ الخَمْسَةُ التي كانت بِالمَدِينَةِ كما قَالَ القَسْطَلانِيّ: هِيَ:"شَرَابُ العَسَلِ وَالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ" (5) .
والمطابقة: فِي كَوْنِهِ دَلَّ على تَفْسِيرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ.
(1) قال القرطبي: (قَوْلُهُ تَعَالَى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا"خِطَابٌ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ بِتَرْكِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، إِذَا كَانَتْ شَهَوَاتٍ وَعَادَاتٍ تَلَبَّسُوا بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَغَلَبَتْ عَلَى النُّفُوسِ، فَكَانَ بَقِيَّةٌ مِنْهَا فِي نُفُوسِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ هَوَى الزَّجْرِ بِالطَّيْرِ، وَأَخْذُ الْفَأْلِ فِي الْكُتُبِ وَنَحْوُهُ مِمَّا يَصْنَعُهُ النَّاسُ الْيَوْمَ. وَأَمَّا الْخَمْرُ فَكَانَتْ لَمْ تُحَرَّمْ بَعْدُ، وَإِنَّمَا نَزَلَ تَحْرِيمُهَا فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ، وَكَانَتْ وَقْعَةُ أُحُدٍ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ مِنَ الهجرة"اهـ."
(2) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَالْحَدِيث فِي إِسْنَاده عَلِيّ بْن الْحُسَيْن بْن وَاقِد، وَفِيهِ مَقَال. قال الحافظ فِي"الفتح":"وَاللُّغَةُ الْفُصْحَى تَأْنِيثُ الْخَمْرِ وَأَثْبَتَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ وبن قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُمَا جَوَازَ التَّذْكِيرِ وَيُقَالُ لَهَا الْخَمْرَةُ أَثْبَتَهُ فِيهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ مِنْهُمُ الْجَوْهَرِي وَقَالَ بن مَالِكٍ فِي الْمُثَلَّثِ الْخَمْرَةُ هِيَ الْخَمْرُ فِي اللُّغَةِ وَقِيلَ سُمِّيَتِ الْخَمْرُ لِأَنَّهَا تُغَطِّي الْعَقْلَ وَتُخَامِرُهُ أَيْ تُخَالِطُهُ أَوْ لِأَنَّهَا هِيَ تُخَمَّرُ أَيْ تُغَطَّى حَتَّى تَغْلِي أَوْ لِأَنَّهَا تَخْتَمِرُ أَيْ تُدْرِكُ كَمَا يُقَالُ لِلْعَجِينِ اخْتَمَرَ"اهـ.
وَالفَضِيخُ هُوَ شَرَابٌ يُتَّخَذُ من الْبُسْرِ وَحْدَهُ من غير أَنْ تَمَسَّهُ النَّارُ، واشتقاقه من الفَضْخِ وَهُوَ الْكَسْرِ، وَقَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ: الفَضِيخُ أَنْ يكسر الْبُسْر وَيصب عَلَيْهِ المَاء وَيُتْرَك حَتَّى يغلي.
(3) قال فِي"تفسير المنار":"وَالْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْخَمْرَ مَا اعْتُصِرَ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إِذَا اشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ، زَادَ بَعْضُهُمْ ثُمَّ سَكَنَ، وَقِيلَ إِذَا اشْتَدَّ فَقَطْ. وَيَرُدُّهُ أَنَّ الصَّحَابَةَ - وَهُمْ صَمِيمُ الْعَرَبِ - فَهِمُوا مِنْ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ تَحْرِيمَ كُلِّ مُسْكِرٍ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَا كَانَ مِنَ الْعِنَبِ وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِهِ; بَلْ قَالَ أَهْلُ الْأَثَرِ: إِنَّ الْخَمْرَ حُرِّمَتْ بِالْمَدِينَةِ وَلَمْ يَكُنْ شَرَابُهُمْ يَوْمَئِذٍ إِلَّا نَبِيذُ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ، فَهُوَ الَّذِي تَنَاوَلَهُ نَصُّ الْقُرْآنِ ابْتِدَاءً"اهـ.
(4) إسناده حسن؛ وهو حديث صحيح. الفضيل: هو ابن ميسرة، وأبو حريز: هو عبد الله بن حسين الأزدي قاضي سجستان، قال الحافظ فِي"التَّقريب": صَدُوقٌ يُخْطِئ، وعامرٌ: هو الشَّعْبي. وأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدُ 3677 في الأشربة: باب الخمر مِمَّا هي؟ والبَيْهَقِيّ 8/ 289 من طريق مالك بن عبد الواحد، عن معتمر بن سليمان، بهذا الإسْناد.
(5) "إرشاد السَّاري":"باب قَوْلِهِ: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ .. الآية"ج 7 ص 108.