النَّسَائِيّ:"ثِقَةٌ". وَقَال أبو حاتم الرازي:"صَدُوقٌ ثِقةٌ". وَقَالَ فِي"الثِّقَاتِ"للعِجْلِيِّ:"قَال بعض البغداديين:"أخطأ مُحَمَّد بْن يوسف في خمسين ومائة حديث من حديث سفيان"؛ مُتَّفَقٌ عَلَى تَوْثِيقِهِ، أَخْرَجَ لَهُ الجَمَاعَةُ". مات في ربيع الأول سنة اثنتي عشرة ومائتين.
الحديث: أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ والتِّرْمِذِيّ والنَّسَائِيّ.
معنى الحديث: أنَّ عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا تَقُولُ:"مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَقَدْ كَذَبَ"على النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ الكَذِبِ، واتَّهَمَهُ بِالخِيانَةِ، حيث اتَّهَمَهُ بالكتمان الذي هو مُخَالَفَةٌ لأَمْرِ اللهِ تَعَالَى له بِالتَّبْلِيغِ، وحَاشَاهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكْتُمَ شَيْئًَا بَعْدَ أَنْ أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى بِتَبْلِيغ جَمِيعِ ما أُنْزِلَ عليه.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أوَّلًا: أَنَّ مِنْ شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الإِيمَانُ بِأنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أَدَّى الأَمَانَةَ وبَلَّغَ الرِّسَالَةَ، ولَمْ يَتْرُك شَيْئًَا من الْوَحْيّ إلاّ بَلَّغَهُ لأُمَّتِهِ امْتِثَالًا لأَمْرِ رَبِّهِ حيث أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) .
ثَانِيًَا: أَنَّ من أَشَدَّ الكَذِبِ على رَسُولِ اللهِ وأَعْظَمَ الافْتِرَاءِ عليه القَوْلُ بأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَمَ شَيْئًا من الْوَحْيّ، لأَنَّ من قَالَ هذا فَقَدْ نَسَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى مُخَالَفَةِ أَمْرِ اللهِ بِكِتْمَانِ الْوَحْيّ الذي أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ، وهذا طَعْنٌ فِي عِصْمَتِهِ ورِسَالَتِهِ، ومن شُرُوطِ الرِّسَالَةِ العِصْمَة فِي التَّبْلِيغِ، ولَعَلَّ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا عَلِمَتْ بِوُجُودِ بَعْضِ الفِرَقِ التي تَقُولُ بذلك، فَإِنَّ بَعْضَ غُلاةِ الشِّيْعَةِ كانوا يَتَحَدَّثُونَ أنَّ عند عَلِيٍّ وآلِ بَيْتِهِ من الْوَحْيّ مَا خَصَّهُم بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ النَّاسِ، وقد سُئِلَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ كما فِي الصَّحِيحَيْنِ:"هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنَ الْوَحْيّ إِلَّا مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: «لاَ وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللَّهُ رَجُلًا فِي القُرْآنِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ» ، قُلْتُ: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: «العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَأَنْ لاَ يُقْتَلَ مُسْلِم بِكَافِرٍ» ".
والمطابقة: فِي كَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا دَامَ قَدْ أُمِرَ أَنْ يُبَلِّغَ مَا أُنْزِلَ إليه فَإنَّهُ لا بُدَّ أَنْ يُبَلِّغَ كُلَّ شَيْءٍ من الْوَحْيّ، ومن ادَّعَى أنَّهُ كَتَمَ شَيْئًَا من ذلك فَقَدْ كَذَبَ عليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ