فهرس الكتاب

الصفحة 2164 من 2668

لَهُ، لِيَتَأَهَّبَ النَّاسُ لِذَلِكَ أُهْبَتَهُ، فَأَمَرَ النَّاسَ بِالْجِهَازِ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ يُرِيدُ الرُّومَ"اهـ (3) . وخرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثلاثين ألفًا، وهو أكبر جيش خرج به رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ، وكان الجيش منظّمًا مرتبًا موزّع الأَلْوِيَةِ والرَّايَاتِ. ولما انتهى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى تَبُوكَ بلغه خَبَرَ انْسِحَابِ الرُّومِ، ولَمْ يقابل الرُّومُ هذا الزَّحَف بِزَحْفٍ مقابل، وبِتَحَرُّكَاتٍ عَسْكَرِيَّةٍ مُضَادَّةٍ، بل كان هناك انْسِحَابٌ مقابل هذا التَّحَدِّي السَّافِرِ، وصاروا يَحْسَبُونَ لهذه القُوَّةِ النَّاشِئَةِ حِسَابًَا لَمْ يَحْسَبُوهُ من قبل، وقد روى لنا سَعْدٌ في هذا الحديث:"أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى تَبُوكَ"وتَقَعُ فِي شَمَالِ الحِجَازِ، على بعد 700 كم من المدينة"وَاسْتَخْلَفَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ"أي تركه فِي المدينة ليكون نائبًا عنه فِي الإِشرافِ على أهله ونسائه والقيام عليهن"فَقَالَ: أَتُخَلِّفُنِي فِي الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ؟"أي أتتركني فِي المدينة مع النِّسَاءِ والصِّبْيَةِ، ولا أخرج معكم إلى الجهاد، ولا أشارككم فِي القتال؟!"قَالَ: أَلاَ تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ، مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ نَبِيٌّ بَعْدِي"أي أمَّا تَرْضَى أَنْ تكون خليفة عَنِّي فِي سفري هذا، بِمَنْزِلَةِ اسْتِخْلافِ مُوسَى أخاه هَارُونَ على بَنِى إسْرَائِيلَ حين تَوَجَّهَ إلى الطُّورِ"اهـ. كما أفاده العيني.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أولًا: ذكر غزوة تبوك، وخروج النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيها لغزو الرُّوم، وهو ما ترجم له البُخَارِيّ.

ثانيًا: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طَالبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أبَتْ عليه شجاعته وبطولته وإقدامه أنْ يَبْقَى فِي المدينة بعيدًا عن مواطن الجهاد والاستشهاد فقال:"أَتُخَلِّفُنِي فِي الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ؟!".

ثالثًا: اسْتَدلَّ الشِّيِعةُ بِهذا الحديث على أنَّ الخلافة لعَليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، واعتبروه نَصًَّا صَرِيحًَا على خلافته، قال النووي:"وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ لِاسْتِخْلَافِهِ بَعْدَهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا قَالَ هَذَا لِعَلِيٍّ حِينَ اسْتَخْلَفَهُ فِي الْمَدِينَةِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ هَارُونَ الْمُشَبَّهَ بِهِ لَمْ يَكُنْ خَلِيفَةً بَعْدَ مُوسَى؛ بَلْ تُوُفِّيَ قَبْلَ وَفَاةِ مُوسَى بِنَحْوِ أَرْبَعِينَ سَنَةٍ عَلَى مَا هُوَ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ الْأَخْبَارِ وَالْقَصَصِ. قَالُوا: وَإِنَّمَا اسْتَخْلَفَهُ حِينَ ذَهَبَ لِمِيقَاتِ رَبِّهِ لِلْمُنَاجَاةِ"اهـ (4) .

والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى تَبُوكَ"

(1) "تفسير المنار": الآية 118 من سورة التوبة ج 11 ص 52.

(2) "فتح الباري"لابن حجر: (قَوْلُهُ بَابُ غَزْوَةِ تَبُوكَ) ج 8 ص 111.

(3) "سيرة ابن هشام ت السقا": (أَمْرُ الرَّسُولِ النَّاسَ بِالتَّهَيُّؤِ لِتَبُوكَ) ج 2 ص 516.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت