قال ابن إسحاق:"نَزَلَ بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ الرَّجِيعُ، فَنَزَلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَطَفَانَ، لِيَحُولَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَنْ يُمِدُّوا أَهْلَ خَيْبَرَ، وَكَانُوا لَهُمْ مُظَاهِرِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"قَالَ أَنَسٌ:"وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَى قَوْمًا بِلَيْلٍ لَمْ يُغِرْ بِهِمْ حَتَّى يُصْبِحَ"بضم الياء وكسر الغين المعجمة، أي لا يغير عليهم حتَّى يصبح، كما فِي الجهاد، وفِي رواية أخرى فِي الأذان:"فَإِذَا سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ، وَإِذَا لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ"؛"فَلَمَّا أَصْبَحَ خَرَجَتِ اليَهُودُ بِمَسَاحِيهِمْ، وَمَكَاتِلِهِمْ فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللَّهِ، مُحَمَّدٌ وَالخَمِيسُ"أي هذا مُحَمَّدٌ وجيشه قد أقبل علينا يريد قتالنا"فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"خَرِبَتْ خَيْبَرُ"والمراد بِخَرابِهَا القَضَاءُ على الدَّوْلَةِ اليَهُودِيَّةِ فيها، وإزَالَةِ نُفُوذِهِم منها، لأَنَّ خَيْبَرَ كَانَتْ مُسْتَعْمَرَةً يَهُودِيَّةً وإِنَّمَا قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ذلك بطريق الْوَحْيّ أو تَفَاؤلًا لما رآه فِي أيديهم من الآلاتِ المُشْعِرَةِ بِتَقْويِضِ دَوْلَتِهِم وكَسِرِ شَوْكَتِهِم، لأَنَّ لفظ مَسْحَاةٌ مأخوذ من السَّحْوِ، وهو إِزَالَةُ الشَّيْءِ"إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ {فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ} "أي إنّا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ إذا نزلنا بِديار قوم لِقِتَالِهِم، ومُحَارَبَتِهِم فبئس الصَّبَاحُ صَبَاحِهِم، لأنَّه شَرٌّ وَوَبَالٌ عليهم، فالسَّاحة هي فناء الدَّار، والمراد بِهَا هنا الدَّارُ والبَلَدُ نفسُها."
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:
أَوَّلًا: غَزْوَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَدِينَةِ خَيْبَرَ التي كَانَتْ مُسْتَعْمَرَةً يَهُودِيَّةً فِي جزيرة العرب للقضاء على دَوْلَتِهِم، وكَسِرِ شَوْكَتِهِم، لأنَّها كانت معقلًا وقاعدة حربية لهم، ولهذا كان فتحها من أعظم الفُتُوحَاتِ الإِسْلامِيَّةِ، وقد كان يَهُودُ خَيْبَرَ، لا سيما رؤساء بَنِي النَّضِيِر، التي أجلاها النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُضْمِرونَ أَشَدَّ الحِقْدِ والعَدَاوَةِ لمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه، ويحاولون بِكُلِّ الوَسَائِلِ حَمْلَ القبائل العربية على مُحَارَبَةِ المُسْلِمِينَ، وإثَارَةِ الفِتَنِ والقَلاقِلِ ضِدَّ بَنِي الإِسْلامِ.
ثَانِيًَا: أَنَّ من سِيَاسَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحَكِيمَةِ المُوَفَّقَةِ أنَّهُ لا يَغْزُو عَدُوًَّا بِلَيْلٍ حتَّى يُصْبِح، ويُصَلِّي الصُّبْحَ، فإنْ سَمِعَ أَذَانًَا كَفَّ عنهم، وإلَّا قَاتَلَهُم كما فعل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَيْبَرَ، وذلك ليُفَاجِئَ العَدُوَّ، ويأخذه بَغْتَةً وعلى غير انْتِظَارٍ.
والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"أَتَى خَيْبَرَ لَيْلًا".
ـــــــــــــــــــــــــــــ