فهرس الكتاب

الصفحة 2068 من 2668

وسببها: أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ بِأبِي سُفْيَانَ مُقْبِلًا فِي عِيْرٍ تُجَارِيَّةٍ لِقُرَيْشٍ، وَالْعِيرُ الْمَذْكُورَةُ يُقَالُ كَانَتْ أَلْفَ بَعِيرٍ وَكَانَ الْمَالُ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ وَكَانَ فِيهَا ثَلَاثُونَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ وَقِيلَ أَرْبَعُونَ وَقِيلَ سِتُّونَ. فَنَدَبَ المُسْلِمِينَ إليها، وقال: هذه عِيْرُ قُرَيْشٍ، فيها أَمْوَالُهُم، فاخْرُجُوا إليها. وكان يقصد من وراء ذلك أنْ يَسْتَوْلِي على هذه الأموال تَعْوِيضًَا للمُسْلِمِينَ عن الأموال التي أخذها المُشْرِكُونَ من المهاجرين، وأنْ يُضْعِفَ النَّاحِيَّةِ الاقْتِصَادِيَّةِ لِقُرَيْشٍ، لارتباطها الوثيق بالنَّاحِيَّةِ العَسْكَرِيَّةِ. فخرج رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمن خرج معه في الثامن من رَمَضَانَ وكلف ابن أمّ مكتوم أنْ يُصَلِّي بالنَّاسِ فِي المدينة، وعَيَّنَ أبا لُبَابَةَ واليًا عليها. وعَلِمَ أبُو سُفْيَانَ بِخُرُوجِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فحذره ومال بالعير إلى السَّاحلِ واسْتَأْجَرَ ضَمْضَمَ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ بعشرين مِثْقَالًا لِيَأْتِيَ إلى مَكَّةَ ويَسْتَنْفِر قُرَيْشًَا، فخرجوا مسرعين، ولَمْ يَتَخَلَّفْ منهم إلاّ أبُو لَهَبٍ.

قال البيهقي فِي"دلائل النبوة":"جَاءَهُمُ الرَّاكِبُ الَّذِي بَعَثَ أَبُو سُفْيَانَ، وَهُوَ ضَمْضَمُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ فَصَاحَ فَقَالَ: يَا آلَ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ انْفِرُوا فَقَدْ خَرَجَ مُحَمَّدٌ وَأَهْلُ يَثْرِبَ يَعْتَرِضُونَ لِأَبِي سُفْيَانَ فَأَحْرِزُوا عِيرَكُمْ، فَفَزِعَتْ قُرَيْشٌ أَشَدَّ الْفَزَعِ، فَنَفَرُوا عَلَى كُلِّ صَعْبٍ وَذَلُولٍ. وَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَيَظُنُ مُحَمَّدٌ أَنْ يُصِيبَ مِثْلَ مَا أَصَابَ بِنَخْلَةَ سَيعْلَمُ أَنَمْنَعُ عِيرَنَا أَمْ لَا. فَخَرَجُوا بِخَمْسِينَ وَتِسْعِمِائَةِ مُقَاتِلٍ وَسَاقُوا مِائَةَ فَرَسٍ، وَلَمْ يَتْرُكُوا كَارِهًا لِلْخُرُوجِ يَظُنُّونَ أَنَّهُ فِي صَغْوِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ وَلَا مُسْلِمًا يَعْلَمُونَ إِسْلَامَهُ وَلَا أَحَدًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ إِلَّا مَنْ لَا يَتَّهِمُونَ إِلَّا أَشْخَصُوهُ مَعَهُمْ، فَكَانَ مِمَّنْ أَشْخَصُوا العباس بن عبد المطلب، وَنَوْفَلُ بْنُ الْحَارِثِ، وَطَالِبُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَقِيلُ ابن أَبِي طَالِبٍ، فِي آخَرِينَ. فَنَفَرَ رَسُولُ اللَّه صلى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ نَفَرَ ومعه ثَلاثُمِائَةٍ وَسِتَّةَ عَشَرَ [رَجُلًا] . وَفِي رواية ابن فليح ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا وَأَبْطَأَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَتَرَبَّصُوا وَكَانَتْ أَوَّلَ وَقْعَةٍ أَعَزَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِيهَا الْإِسْلَامَ. فَخَرَجَ فِي رَمَضَانَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ، وَمَعَهُ الْمُسْلِمُونَ لَا يُرِيدُونَ إِلَّا الْعِيرَ فَسَلَكَ عَلَى نَقْبٍ مِنْ بَنِي دِينَارٍ وَالْمُسْلِمُونَ غَيْرُ مُقَوِّينَ مِنَ الظَّهْرِ وَإِنَّمَا خَرَجُوا عَلَى النَّوَاضِحِ يَعْتَقِبُ النَّفَرُ مِنْهُمْ عَلَى الْبَعِيرِ الواحد، وكان زميل رَسُولِ اللَّه صلى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَمَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ حَلِيفَ حَمْزَةَ، فَهُمْ مَعَهُ لَيْسَ مَعَهُمْ إِلَّا بَعِيرٌ وَاحِدٌ"اهـ. وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَدَبَ النَّاسَ إِلَى تَلَقِّي أَبِي سُفْيَانَ لِأَخْذِ مَا مَعَهُ مِنْ أَمْوَالِ قُرَيْشٍ وَكَانَ مَنْ مَعَهُ قَلِيلًا فَلَمْ يَظُنَّ أَكْثَرُ الْأَنْصَارِ أَنَّهُ يَقَعُ قِتَالٌ فَلَمْ يَجُزْ مَعَهُ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ وَلَمْ يَأْخُذُوا أُهْبَةَ الِاسْتِعْدَادِ كَمَا يَنْبَغِي بِخِلَافِ الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّهُمْ خَرَجُوا مُسْتَعِدِّينَ ذَابِّينَ عَنْ أَمْوَالِهِمْ. ودَفَعَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللِّوَاءَ إلى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت