فِي سَاحَةِ المَنْزِلِ المَكْشُوفَةِ للنَّاسِ."فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ، وَيَقْرَأُ القُرْآنَ"أي وصَارَ يُصَلَّي ويَعْبُدُ رَبَّهُ بالصَّلاةِ وقِرَاءَةِ القُرْآنِ جَهَارًَا أمَامَ أَعْيُنِ النَّاسِ"فَيَتَقَصَّفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ، يَعْجَبُونَ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ"أي يَزْدَحِمُ عليه النِّسَاءَ والأَطْفَالَ ويَتَدَافَعُونَ حتَّى يَتَسَاقَطُونَ عليه"فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ"أي أَخَافَهُم وأَقْلَقَهُم"فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الدَّغِنَةِ"وكَلَمُّوهُ فِي شَأْنِ الصِّدِّيقِ وطلبوا منه أَنْ يَلْتَزِمَ بالشَّرْطِ"فَقَالُوا لَهُ: إِنَّا كُنَّا أَجَرْنَا أَبَا بَكْرٍ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ"أي إنَّا كُنَّا قَبِلْنَا جِوَارَكَ لأبِي بَكْرٍ والْتَزَمْنَا بِهِ، وحَافَظْنَا عليه، على شَرْطِ أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ سِرًَّا، ولا يُجَاهِرَ بِعِبَادَتِهِ، فَيُؤْذِينَا، ويُضِّلَ نِسَاءَنَا وصِبْيَانَنَا"فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَعَلَ"أي فَلَهُ أنْ يَفْعَلَ ذلك، مع بَقَاءِ الجِوَارِ نَافِذًَا"وَإِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ يُعْلِنَ ذَلِكَ"أي وإنْ أَصَرَّ أنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ عَلَنًَا"فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ ذِمَّتَكَ"أي فاطْلُبْ مِنْهُ أَنْ يَرُدَّ إلَيْكَ جِوارَكَ وحِمَايَتَكَ له"فَإِنَّا كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ"أي أنْ نَنْتَهِكَ حُرْمَةَ الجِوَارِ الذي بيننا وبينك. قالت عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:"فَأَتَى ابْنُ الدَّغِنَةِ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ"أي أنت تعرف الشَّرْطَ الذي شَرَطَتْهُ عَلَيَّ قُرَيْشٌ فِي جِوَارَي لك،"فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ"وتُحَافِظَ عليه، ولا تَتَعَدَّى حُدُودَهُ،"وَإِمَّا أَنْ تَرُدَّ إِلَيَّ ذِمَّتِي"وَتَرُدَّ إلَيَّ جِوَارِي"فَإِنِّي لاَ أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ العَرَبُ، أَنِّي أُخْفِرْتُ فِي رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ"أي فإنِّي أخْشَى أنْ تُضْطَرَّ قُرَيْشٌ إلى انتهاك حُرْمَةِ جِوَارِي على نَقْضِ عَهْدِي، ويكون ذلك وَصْمَةً لِي"قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنِّي أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ، وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ"وذلك رَغْبَةً منه فِي أَنْ يَتَحَرَّرَ فِي عِبَادَتِهِ فَيَعْبُدَ اللهَ كَيْفَ شَاءَ.
"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ"أي أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أطْلَعَهُ اللهُ فِي مَنَامِهِ على"المدينة"التي سيهاجر إليها"وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا"أي تَهَيَّأ واسْتَعَدَّ أبُو بَكْرٍ للرَّحِيلِ إلى المدينة التي أمر الله بالهجرة إليها"فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلَى رِسْلِكَ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي"أي تَمَهَّلْ قليلًا فلعلك ترافقني فِي الهجرة إليها"فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَصْحَبَهُ"أي فَتَوَقَّفَ أَبُو بَكْرٍ وتَأخَّرَ عن السَّفَرِ من أجْلِ أنْ يَصْحَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛"وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ (5) كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ -وَهُوَ الخَبَطُ-"أي ما يُخْبَطُ بالعَصَى من أوْرَاقِ الشَّجَرِ.
"قَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ"أي عِنْدَ الهَاجِرَةِ، وبِقُرْبِ الزَّوَالِ"قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَقَنِّعًا"أي مُغَطِّيًَا رَأْسَهُ."فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي"والمعنى أجْعَلُ أعَزَّ الأشْيَاءِ عندي وَهُمَا أَبِي وأُّمِي فِدَاءً للنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ."وَاللَّهِ مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ"أي لَمْ يَأْتِ فِي سَاعَةِ الظَّهِيرَةِ إلا لأَمْرٍ هَامٍ له شَأْنُهُ وخَطَرُهُ."قَالَتْ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنَ،"