فهرس الكتاب

الصفحة 2043 من 2668

والتَّمَتُّعِ به، والبُرَاقُ لَمْ يُنْقَل أَنَّ أَحَدًَا مَلَكَهُ وتَمَتَّعَ به. أمَّا لماذا لَمْ يُعَطَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُوَّةً حتَّى يَصْعَدَ بِنَفْسِهِ؟ فإنَّه لَوْ صَعَدَ بِنَفْسِهِ لكان مَاشِيًَا على رِجْلَيْهِ، والرَّاكِبُ أَعَزَّ من المَاشِي، فأُعْطِيَ البُرَاقَ ليركب عليه، فيكون أعز وأشرف له"."

وظاهر حديث الباب أنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبُ البُرَاقَ فِي الإِسْرَاءِ والمِعْرَاجِ مَعًَا، لأنَّهُ لَمْ يذكر غيره وجَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى:"أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسري به على البراق، وعرج به على المعراج"وهو مَصْعَدٌ بين السَّمَاءِ والأَرْضِ، لا يقال: كيف هو؟ ولا على أي صورة هو؟ لأنَّا لا نعلم حقيقته، صعد عليه النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من بَيْتِ المَقْدِسِ بِصُحْبَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. قال الحافظ:"فَأَمَّا الْعُرُوجُ فَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَة مِنَ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْبُرَاقِ بَلْ رَقِيَ الْمِعْرَاجَ وَهُوَ السُّلَّمَ كَمَا وَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي حَدِيث أبي سعيد عِنْد بن إِسْحَاقَ وَالْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ وَلَفْظُهُ فَإِذَا أَنَا بِدَابَّةٍ كَالْبَغْلِ مُضْطَرِبَ الْأُذُنَيْنِ يُقَالُ لَهُ الْبُرَاقُ وَكَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ تَرْكَبُهُ قَبْلِي فَرَكِبْتُهُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ ثُمَّ دَخَلْتُ أَنَا وَجِبْرِيلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَصليت ثمَّ أتيت بالمعراج وَفِي رِوَايَة بن إِسْحَاقَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:"

لَمَّا فَرَغْتُ مِمَّا كَانَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ أُتِيَ بِالْمِعْرَاجِ فَلَمْ أَرَ قَطُّ شَيْئًا كَانَ أَحْسَنَ مِنْهُ وَهُوَ الَّذِي يَمُدُّ إِلَيْهِ الْمَيِّتُ عَيْنَيْهِ إِذَا حُضِرَ. فَأَصْعَدَنِي صَاحِبِي فِيهِ حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ الْحَدِيثَ"اهـ."

حتَّى أَتَى السَّمَاءَ الدُّنْيَا - أي الأُوْلَى، وسُمِّيَتْ بذلك لأنَّهَا أقرب السَّمَوَاتِ إلى الأَرْضِ، فاستأذن جِبْرِيلُ من الملائكة هناك، وطلب منهم أَنْ يفتحوا له،"قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ"، فسألوه: هل أمر بالعروج؟ فقال: نعم، فرحبوا به واستقبلوه بِالحَفَاوَةِ والتَّكْرِيمِ، وهم يقولون:"مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاء"أي فقد كان مجيئه مُبَارَكًا مَحْمُودًَا، فلما فتحت السَّمَاءُ الدُّنْيَا وجد فيها آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وعَرَّفَهُمَا جِبْرِيلُ بِبَعْضِهِمَا، وتَبَادَلا التَّحِيَةَ، ورَحَّبَ به أبوه آدَمُ، ثُمَّ صَعَدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فالثَّالِثَةِ فَالرَّابِعَةِ الخ والتقى فيها بالأَنْبِيَاء: آدَمَ وَيَحْيَى وعِيسَى ويُوُسُفَ وإِدْرِيسَ وهَارُونَ ومُوسَى وإبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، واسْتَمَرَ فِي رِحْلَتِهِ. قال النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"فَلَمَّا تَجَاوَزْتُ - أي مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ - بَكَى، قِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: أَبْكِي لِأَنَّ غُلاَمًا بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِي!"ولم يكن بُكَاءُ مُوسَى حَسَدًَا، لأَنَّ الحَسَدَ مَنْزُوعٌ من ذلك العَالَمِ السَّمَاوِيِّ، وإِنَّمَا كَانَ أَسَفًَا على مَا فَاتَهُ من الأَجْرِ بسبب مَا وَقَعَ من أُمَّتِهِ من كَثْرَةِ المُخَالَفَةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت