فهرس الكتاب

الصفحة 2033 من 2668

"فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ: كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ؟!"أي فكثيرًا ما كنت أخاصمه إذا ذكرها، وتحدث عنها فأقول له: كأن خَدِيجَةَ أَنْسَتْكَ النِّسَاءَ جَمِيعًَا، فأصبحت لا ترى غيرها في هذه الدُّنْيَا"فَيَقُولُ: إِنَّهَا كَانَتْ، وَكَانَتْ"أي فيعدد فضائلها ومَحَاسِنِها، ويقول: إنَّها كانت صوامة قوامة محسنة إلى غير ذلك كما سيأتي."وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ"بفتح الواو واللام أي وبالإضافة إلى هذه المَزَايَا كُلِّهَا فقد وَرَزَقَنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ منها أكثر ذريتي ذكورًا وإناثًا.

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أوَّلًا: فَضْلُ السَّيِّدَةِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا الذي يتجلى فِي شِدَّةِ مَحَبَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لها، وتعلقه بها، وعيشِهِ على ذكراها (1) ، وإكرام صَدِيقَاتِهَا، وكان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا استأذنت عليه أختها هَالَةُ، وسَمِعَ صَوْتَهَا اهْتَزَّ فَرَحًَا وأَسْرَعَ للِقَائِهَا، لأَنَّ صَوْتَهَا يُشْبِهُ صَوْتَ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. قالت عَائِشَةُ،"فَقُلْتُ: مَا أَكْثَرَ مَا تَذْكُرُهَا حَمْرَاءَ الشِّدْقِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا خَيْرًا مِنْهَا! قَالَ:"مَا أَبْدَلَنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْرًا مِنْهَا، قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ، وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ، وَرَزَقَنِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ" (2) "وَكَانَ جَمِيعُ أَوْلَادِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خَدِيجَةَ إِلَّا إِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ جَارِيَتِهِ مَارِيَةَ. وَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ أَوْلَادِهِ مِنْهَا الْقَاسِمُ وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى مَاتَ صَغِيرًا قَبْلَ الْمَبْعَثِ أَوْ بَعْدَهُ وَبَنَاتُهُ الْأَرْبَعُ زَيْنَبُ ثُمَّ رُقْيَةُ ثُمَّ أُمُّ كُلْثُومٍ ثُمَّ فَاطِمَةُ وَقِيلَ كَانَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ أَصْغَرَ مِنْ فَاطِمَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ وُلِدَ بَعْدَ الْمَبْعَثِ فَكَانَ يُقَالُ لَهُ الطَّاهِرُ وَالطَّيِّبُ وَيُقَالُ هُمَا أَخَوَانِ لَهُ وَمَاتَتِ الذُّكُورُ صِغَارًا بِاتِّفَاقٍ"اهـ (3) ؛ كما أفاده الحافظ."

ثانيًا: أنَّ الغيرة غريزة في النَّفْس لا يلام عليها الإِنْسان. قَالَ الحافظ:"قَالَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ: الْغَيْرَةُ مُسَامَحٌ لِلنِّسَاءِ مَا يَقَعُ فِيهَا وَلَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِنَّ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِمَا جُبِلْنَ عَلَيْهِ مِنْهَا؛ وَلِهَذَا لَمْ يَزْجُرِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَائِشَةَ عَنْ ذَلِكَ. وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ بِأَنَّ ذَلِكَ جَرَى مِنْ عَائِشَةَ لِصِغَرِ سِنِّهَا وَأَوَّلِ شَبِيبَتِهَا فَلَعَلَّهَا لَمْ تَكُنْ بَلَغَتْ حِينَئِذٍ! قُلْتُ: وَهُوَ مُحْتَمَلٌ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ نَظَرٍ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَا تَدُلُّ قِصَّةُ عَائِشَةَ هَذِهِ عَلَى أن الغيرى لا تؤاخذ بِمَا يَصْدُرُ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْغَيْرَةَ هُنَا جُزْءُ سَبَبٍ. وَذَلِكَ أَنَّ عَائِشَةَ اجْتَمَعَ فِيهَا حِينَئِذٍ الْغَيْرَةُ وَصِغَرُ السِّنِّ وَالْإِدْلَالُ. قَالَ: فَإِحَالَةُ الصَّفْحِ عَنْهَا عَلَى الْغَيْرَةِ وَحْدَهَا تَحَكُّمٌ؛ نَعَمُ الْحَامِلُ لَهَا عَلَى مَا قَالَتِ الْغَيْرَةُ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي نَصَّتْ عَلَيْهَا بِقَوْلِهَا فَغِرْتُ. وَأَمَّا الصَّفْحُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِأَجْلِ الْغَيْرَةِ وَحْدَهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَهَا وَلِغَيْرِهَا مِنَ الشَّبَابِ وَالْإِدْلَالِ" (4) .

والمطابقة: فِي كَوْنِ الحَدِيثِ يَدُلُّ على فَضْلِ السيدة خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ وهو ما ترجم له البُخَارِيّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت