فهرس الكتاب

الصفحة 2030 من 2668

قَوْلَ سَعْدٍ هذا يبعث على التَّسَاؤلِ: إذ كيف يكون ذلك مع أنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد شهد لغَيْرِهِ بالجَنَّةِ، ومنهم العشرة المبشرون بالجَنَّةِ؟! ولهذا قال الحافظ:"اسْتُشْكِلَ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ لِجَمَاعَةٍ إِنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ غَيْرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلام وَيَبْعُدَ أنْ لَا يَطَّلعَ سَعْدٌ عَلَى ذَلِكَ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ كَرِهَ تَزْكِيَةَ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرَةِ بِذَلِكَ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ أَنْ يَنْفِيَ سَمَاعَهُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَيَظْهَرُ لِي فِي الْجَوَابِ: أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُبَشَّرِينَ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ عَاشَ بَعْدَهُمْ؛ وَلَمْ يَتَأَخَّرْ مَعَهُ مِنَ الْعَشَرَةِ غَيْرُ سَعْدٍ وَسَعِيدٍ. وَيُؤْخَذُ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ: يَمْشِي عَلَى الْأَرْض"اهـ (1) ، قال رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وفيه نزلت (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) "أي: وفِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ نزل قوله تعالى: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) ، وإِنَّمَا أنزل الله فيه هذه الآية الكريمة ووصفه بأنَّه الشَّاهِدُ العَدْلُ الذي شَهِدَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ على مثله، لأنَّه شهد على أنَّ مُحَمَّدًَا رَسُولُ اللهِ حَقًَّا، وأنَّهُ موصوف بذلك فِي التَّوْرَاةِ، فَآمَنَ بالنَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وشَهِدَ له بالرِّسَالَةِ، وأنْكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ ذلك وكَذَّبُوهُ، فأنزل الله هذه الآية تَنْوِيهًَا بشأنه وإقامةً للحُجَّةِ على غيره من اليهود، بِشَهَادَةِ عَالِمٍ من أَجَلِّ عُلمَائِهِم.

وروي أنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَاصَمَتَهُ اليَهُودُ أرسل إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ فقال: أَتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللهِ مَكْتُوبًَا فِي التَّوْرَاةِ والإِنْجِيلِ؟ قال: نَعَمْ. فَأعْرَضَتِ اليَهُودُ وأَسْلَمَ عَبْدِ اللَّهِ، فهو الذي قال اللهُ جَلَّ ثَنَاؤهُ (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ) ومعناها كما قال الطبري:"فَآمَنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، وَصَدَّقَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَاسْتَكْبَرْتُمْ أَنْتُمْ عَلَى الْإِيمَانِ بِمَا آمَنَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ مَعْشَرَ الْيَهُودِ {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} "اهـ (2) .

وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ مَا يَأْتِي:

أوَّلًا: أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ من المُبَشَّرِينَ بِالجَنَّةِ كما يَنُصُّ عليه هذا الحديث، لأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ بَشَّرَهُ بذلك، وشَهِدَ له بِهَا.

ثانيًا: أنَّ اللهَ وَصَفَهُ فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ بأنَّهُ الشَّاهِدُ العَدْلُ الذي انفرد دُونَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ الحَقِّ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث شهد بِأنَّهُ رَسُولُ اللهِ، وكِتَابُهُ حَقٌّ، وأنَّه موصوف بذلك فِي التَّوْرَاةِ والإِنْجِيلِ.

والمطابقة: فِي قَوْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"وفيه نزلت (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ) وفِي شهادة النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لابن سَلّامٍ بالجنة، والله أعلم."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت